رابطة الرواد

بجامعة القاهرة للتعليم المفتوح - فرع المنصورة

 
الرئيسيةمكتبة الصورالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الأحد مارس 09, 2008 6:54 am

سيدنا : مُصْعَبُ بنُ عُمَيْر رضي الله عنه
أول سفراء الإسلام



هذا رجل من أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم ، ما أجمل أن نبدأ به الحديث .

غُــرَّةُ فتيان قريش ، وأوفاهم بهاءً ، وجمالاً ، وشبابًـا ..

يصف المؤرخون والرواة شبابه فيقولون : ( كان أعطرَ أهل مكة ) ...

ولد في النعمة ، وغـُــذِّي بها ، وشبَّ تحت خمائلها ..

ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر من تدليل أبويه بمثل ما ظفر به ( مصعب بن عمير ) ..

ذلك الفتي الرَّيان، المدلل المنعم ، حديث حسان مكة ، ولؤلؤة ندواتها ومجالسها ، أيمكن أن يتحول إلي أسطورة من أساطير الأيمان والفداء

بالله ما أروعه من نبإ .. نبأ ( مصعب بن عمير ) أو ( مصعب الخير ) كما كان لقبه بين المسلمين ..!!

إنه واحد من أولئك الذين صاغهم الإسلام ورباهم ( محمد ) عليه الصلاة والسلام ... ولكن أي واحد كان ...؟

إن قصة حياته لشرف لبني الإنسان جميعا ...

لقد سمع الفتي ذات يوم ، ما بدأ أهل مكة يسمعونه عن محمد الأمين صلي الله عليه وسلم

محمد الذي يقول : إن الله أرسله بشيرا ، ونذيرا ، وداعيا إلي عبادة الله الواحد الأحد .

وحين كانت مكة تمسي وتصبح ولا هم لها ، ولا حديث يشغلها إلا الرسول صلي الله عليه وسلم ودينه ، كان فتي قريش المدلل أكثر الناس استماعا لهذا الحديث .

وذلك أنه كان . علي الرغم من حداثة سنه . زينه المجالس والندوات ، تحرص كل ندوة علي أن يكون ( مصعب ) بين شهودها ؛ ذلك أن أناقة المظهر ورجاحة العقل كانتا من خصال (ابن عمير ) التي تفتح له القلوب والأبواب ..

ولقد سمع فيما سمع أن الرسول صلي الله عليه وسلم . ومن أمن معه ، يجتمعون بعيدا عن فضول قريش وأذاها ... هناك علي الصفا في دار( الأرقم بن أبي الأرقم ) فلم يطل به التردد ، ولا التلبث والانتظار ، بل صحب نفسه ذات مساء إلي ( دار الأرقم ) تسبقه أشواقه ورؤاه ...

هناك كان الرسول صلي الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه ، فيتلو عليهم من القرآن ويصلي معهم لله العلي الكبير

ولم يكد مصعب يأخذ مكانه ، وتنساب الآيات من قلب الرسول صلي الله عليه وسلم متألقة علي شفتيه ثم آخذة طريقها إلي الأسماع والأفئدة ؛ حتى كان فؤاد بن عمير في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود ..!!

ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه ؛ وكأنه من الفرحة الغامرة يطير .

ولكن الرسول صلي الله عليه وسلم بسط يمينه المباركة الحانية حتى لامست الصدر المتوهج ، والفؤاد المتوثب ؛ فكانت السكينة العميقة عمق المحيط ... وفي لمح البصر كان الفتي الذي أمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف سنه وعمره ، ومعه من التصميم ما يغير سير الزمان .... !!!

كانت أم مصعب ( خُنَاس بنت مالك ) تتمتع بقوة فذة في شخصيتها ، وكانت تهاب إلي حد الرهبة .

ولم يكن ( مصعب ) حين أسلم ليحاذر أو يخاف علي ظهر الأرض قوة سوي أمه .فلو أن مكة بكل أصنامها ، وأشرافها ، وصحرائها استحالت هولا يقارعه ويصارعه لاستخف به ( مصعب ) إلي حين ...

أما خصومة أمة ، فهذا هو الهول الذي لا يطاق ..!

ولقد فكر سريعا ، وقرر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمرا.

وظل يتردد علي دار الأرقم ، ويجلس إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وهو قرير العين بإيمانه ، وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم عن إسلامه خبرا ..

ولكن مكة ، وفي تلك الأيام بالذات ، لا يخفي فيها سر ، فعيون قريش وأذانها علي كل طريق ، ووراء كل بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهية الواشية ...

ولقد أبصر به ( عثمان بن طلحة ) وهو يدخل خفية إلي دار الأرقم .. ثم رآه مرة أخري وهو يصلي ؛ كصلاة محمد صلي الله عليه وسلم ؛ فسابق ريح الصحراء وزوابعها ؛ شاخصا إلي أم مصعب ، حيث القي عليها النبأ الذي طار بصوابها .

ووقف ( مصعب ) أمام أمه ، وعشيرته ، وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم في يقين الحق وثباته القرآن الذي يغسل به الرسول صلي الله عليه وسلم قلوبهم ، ويملؤها به حكمة ، وشرفا ، وعدلا ، وتقي .

وهمت أمه أن تسكته بلطمة قاسية ، ولكن اليد التي امتدت ؛ كالسهم ، ما لبثت أن استرخت وترنحت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاؤه جلالا يفرض الاحترام ، وهدوءا يفرض الإقناع ....

ولكن إذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى ، فإن في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب أخر ..

وهكذا مضت به إلي ركن قصي من أركان دارها ، وحبسته فيه ، وأحكمت عليه إغلاقه ، وظل رهن محبسه ذاك ، حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين إلي ارض الحبشة ، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ ، وغافل أمه وحراسه ، ومضي إلي الحبشة مهاجرا أوابا .

ولسوف يمكث بالحبشة مع إخوانه المهاجرين ، ثم يعود معهم إلي مكة ، ثم يهاجر إلي الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول صلي الله عليه وسلم بالهجرة فيطيعون .

ولن سواء أكان ( مصعب ) بالحبشة أم كان بمكة ؛ فان تجربة إيمانه تمارس تفوقها في كل مكان وفي كل زمان ، ولقد فرغ من إعادته صياغة حياته علي النسق الجديد الذي أعطاهم محمد صلي الله عليه وسلم نموذجه المختار ، واطمأن ( مصعب ) إلي أن حياته قد صارت جديرة بأن تقدم قربنا لباريها الأعلى ، وخالقها العظيم ..

خرج يوما علي بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فما إن بصروا به حني حنوا رؤسهم ، وغضوا أبصارهم ، وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيا ..

ذلك أنهم رأوه .. يرتدي جلبابا مرقعا باليا ، وعاودتهم صورته الأولي قبل إسلامه ، حين كانت ثيابه ، كزهور الحديقة نضرة ، والقا ، وعطرا ...

وتملي رسول الله صلي الله عليه وسلم مشهده بنظرات حكيمة ، شاكرة ، محبه،وتألقت علي شفتيه ابتسامته الجليلة وقال :

لقد رأيت مصعبا هذا ، وما بمكة فتي أنعم عند أبويه منه ، ثم ترك ذلك كله ؛ حبا لله ورسوله صلي الله عليه وسلم ..!! لقد منعته أمه حين يئست من رده إليها كل ما كانت تفيض عليه من نعمة وأبت أن يأكل طعامها إنسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها ، حتى لو يكون هذا الإنسان ابنها ..!!

ولقد كان أخر عهدها به حين حاولت حبسه مرة أخري بعد رجوعه من الحبشة ؛ فألي علي نفسه : لئن هي فعلت ؛ ليقتلن كل من تستعين به علي حبسه .

وإنها لتعلم صدق عزمه إذا هم وعزم ، فودعته باكيه ، وودعها باكيا ..

وكشفت لحظة الوداع عن إصرار عجيب علي الكفر من جانب الأم ، وإصرار اكبر علي الإيمان من جانب الابن .. فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها : اذهب لشأنك ، لم أعد لك أما .. اقترب منها ، وقال :

يا أمه ، إني لك ناصح ، وعليك شفوق ؛ فاشهدي أنه لا إله إلا الله ،وأن محمدا عبده ورسوله .

أجابته غاضبة مهتاجة : قسما بالثواقب ، لا ادخل في دينك ، فيزري برأي ، ويضعف عقلي ..!!

وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها ؛ مؤثرا الشظف والفاقة .. وأصبح الفتي المتأنق المعطر ، لا يري إلا مرتديا أخشن الثياب ، يأكل يوما ويجوع أياما ، لكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة ، والمتألقة بنور الله ،كانت قد جعلت منه إنسانا أخر يملأ الأعين جلالا والأنفس روعة ..

وآنئذ اختاره الرسول صلي الله عليه وسلم لأعظم مهمة في حينها : أن يكون سفيره إلي المدينة ، يفقه الأنصار الذين أمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة ،ويُدخل غيرهم في دين الله

ويُعِد المدينة ليوم الهجرة العظيم ..

كان من أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم يومئذ من هم أكبر منه سنا ، وأكثر جاها ، وأقرب من الرسول قرابة .. ولكن الرسول صلي الله عليه وسلم أختار ( مصعب الخير ) وهو يعلم أنه يَكِل إليه بأخطر قضايا الساعة ، ويلقي بين يديه بمصير الإسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة ، ومنطلق الدعوة ، والدعاة ، والمبشرين ، والغزاة ، بعد حين من الزمان قريب ...

وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من عقل راجح وخلق كريم ... ولقد غزا أفئدة أهل المدينة بزهده ، وترفعه ، وإخلاصه ؛ فدخلوا في دين الله أفواجا .

لقد جاءها يوم بعثه الرسول صلي الله عليه وسلم إليها وليس فيها سوي اثني عشر مسلما ، هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة ، ولكنه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول .. !!

وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة ، كان مسلمو المدينة يرسلون إلي مكة للقاء الرسول صلي الله عليه وسلم وفدا يمثلهم وينوب عنهم .. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمنا ومؤمنة .. جاءوا بقيادة معلمهم ومبعوث نبيهم إليهم ( مصعب بن عمير )

لقد أثبت ( مصعب ) بكياسته وحسن بلاغه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم عرف كيف يختار ..

فلقد فهم ( مصعب ) رسالته تماما ووقف عند حدودها .. عرف انه داعية إلي الله ، ومبشر بدينه الذي يدعوا الناس إلي الهدي ، وإلي صراط مستقيم .. وأنه ، كرسوله الذي أمن به ، ليس عليه إلا البلاغ ..

هناك نهض في ضيافة ( أسعد بن زرارة ) يَغْشَيان معا القبائل ، والبيوت ، والمجالس ، تاليا علي الناس ما معه من كتاب ربه ، هاتفا بينهم في رفق عظيم بكلمة الله (إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ )

ولقد تعرض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تؤدي به وبمن معه ، لولا فطنة عقله ، وعظمة روحه ..

ذات يوم فاجأه وهو يعظ الناس ( أُسَيد بن حُضَير ) سيد بني عبد الأشهل بالمدينة ؛ فاجأه شاهرا حربته ، يتوهج غضبا وحنقا علي الذي جاء يفتن قومه عن دينهم .. ويدعوهم لهجر ألهتهم ، ويحدثهم عن إله واحد ، لم يعرفوه من قبل ، ولم يألفوه من قبل ..!

إن ألهتهم معهم رابضة في مجاثمها ، إذا احتجها أحدهم عرف مكانها وولي وجهه ساعيا إليها ، فتكشف ضره وتلبي دعاءه ... هكذا يتصورون ويتوهمون ..

أما إله محمد صلي الله عليه وسلم الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد إليهم ، فما أحد يعرف مكانه ، ولا أحد يستطيع أن يراه ..!!

وما إن رأي المسلمون الذين كانوا يجالسون ( مُصعبًا ) مُقْدِمَ ( أُسَيد بن حضير ) متوشحًا غضبه المتلظي ، وثورته المتحفزة ؛ وَجلوا .. لكن َّ ( مصعب الخير ) ظل ثابتًا ، وديعًا ، متهللا

وقف (أُسَيد ) أمامه مهتاجا ، وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة .. ما جاء بكما إلي حينا ، تسفهان ضعفائنا ..؟ اعتزلانا ، إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة ..!!

وفي مثل هدوء البحر وقوته

وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته .. انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرك بالحديث الطيب لسانه ؛ فقال :

( أَوَ لا تجلس فتستمع .؟ ! فإن رضيتَ أَمْرنا قَبِلْته .. وإن كرهته كَفَفْنَا عنك ما تكره .

الله أكبر ... ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام ..!!

كان (أُسَيد ) رجلا أريبا عاقلا .. وها هو ذا يري مصعبًا يحتكم معه إلي ضميره .. فيدعوه إلي أن يسمع لا غير .. فإن اقتنع ؛ تركه لاقتناعه ؛ وإن لم يقتنع ؛ ترك ( مصعب ) حيهم وعشيرتهم، وتحول إلي حي أخر وعشيرة أخري غير ضار ولا مضار ..

هنالك أجابه (أُسَيد ) قائلا : أنصفت ... وألقي حربته إلي الأرض وجلس يصغي .. ولم يكد مصعب يقرأ القرآن ، ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم ، حتى أخذت أسارير ( أُسَيد ) تبرق وتشرق .. وتتغير مع مواقع الكلم ، وتكتسي بجماله ..!!

ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به ( أُسَيد بن حُضَير ) وبمن معه قائلا :

ما أحسن هذا القول وأصدقه ؛.. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين ؟؟

وأجابوه بتهليلة رَجَّت الأرض رجَّا ، ثم قال له مصعب :

يطهر ثوبه وبدنه ، ويشهد أن لا إله إلا الله . فغاب ( أُسَيد ) عنهم غير قليل ، ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه ، ووقف يعلن أنه يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله

وسري الخبر ؛ كالضوء ... وجاء ( سعد بن معاذ ) فأصغي لمصعب ، واقتنع وأسلم ، ثم تلاه ( سعد بن عبادة ) وتمت بإسلامهم النعمة ، وأقبل أهل المدينة بعضهم علي بعض يتساءلون : إذا كان أُسَيد بن حُضَير ، وسعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة قد أسلموا ، ففيم تخلفنا ..؟ هيا إلي مصعب ، فلنؤمن معه ، فإنهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه ..!!


عدل سابقا من قبل ياسر طلعت محمد في الأحد مارس 09, 2008 7:07 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الأحد مارس 09, 2008 6:57 am

لقد نجح أول سفراء الرسول صلي الله عليه وسلم نجاحا منقطع النظير .. نجاحا هو له أهل ، وبه جدير .. وتمض الأيام والأعوام ، ويهاجر الرسول صلي الله عليه وسلم وصحبه . رضوان الله عليهم إلي المدينة ، وتتلمظ قريش بأحقادها .. وتعدُّ عُدَّة باطلها ، وتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين ..

وتقوم غزوة بدر ، فيتلقون فيها درسا يفقدهم صوابهم ، ويسعون إلي الثأر ، وتجئ غزوة أَحد .. ويعبئ المسلمون أنفسهم ، ويقف الرسول صلي الله عليه وسلم وسط صفوفهم يتفرس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية ويدعوا مصعب الخير ، فيتقدم ويحمل اللواء .


وتَشُب المعركة الرهيبة ، ويحتدم القتال ، ويخالف الرماة أمر الرسول صلي الله عليه وسلم يغادرون مواقعهم في أعلي الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين ، لكن عملهم هذا ، سرعان ما تحول من نصر المسلمين إلي هزيمة .. ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلي الجبل ، وتعمل فيهم علي حين غرة السيوف الظامئة المجنونة ..

وحين رأوا الفوضى والذعر يمزقان صفوف المسلمين ، ركزوا علي رسول الله صلي الله عليه وسلم لينالوه وأدرك ( مصعب بن عمير ) الخطر الغادر ؛ فرفع اللواء عاليا، وأطلق تكبيرة ؛ كالزئير، ومضي يصول ، ويجول ، ويتواثب .. وكل همه أن يلفت نظر الأعداء إليه ويشغلهم عن الرسول صلي الله عليه وسلم . بنفسه ؛ وجرد من ذاته جيشا بأسره ... أجل ذهب مصعب يقاتل وحده ، كأنه جيش لَجِبٌ غزير ... يد تمحل الراية في تقديس ... ويد تضرب بالسيف في عنفوان ...

لكن الأعداء يتكاثرون عليه ، يريدون أن يعبروا فوق جثته إلي حيث يلقون الرسول صلي الله عليه وسلم . لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الختام في حياة مصعب العظيم ..!! يقول ابن سعد : أخبرنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري ، عن أبيه قال :

حمل( مصعب بن عمير ) اللواء يوم أُحُـد ، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب ، فأقبل ابن قميئة وهو فارس ، فضربه علي يده اليمني فقطعها ، ومصعب يقول : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) وأخذ اللواء بيده اليسري وَحَنَا عليه ، فضرب يده اليسري فقطعها ، فَحَنَا علي اللواء وضمه بعَضُدَيْهِ إلي صدره وهو يقول (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) ثمُّ حملَ عليه الثالثة بالرُّمْح فَأَنْفَذهُ وانْدَقَّ الرُّمْح ، ووقع مصعب ، وسقط اللواء ...

وقـــــع مصعب ... وسقط اللواء ..!!

وقـــــع حِلْية الشهادة .. وكوكب الشهداء ..!!

وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والإيمان ...

كان يظن أنه إذا سقط ، فسيصبح طريق القتلة إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم خاليا من المدافعين والحماه ..

ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله صلي الله عليه وسلم من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضي يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعا :

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها ، ويكملها ، ويجعلها قرأنا يتلي ..
***



وبعد انتهاء المعركة المريرة ، وُجد جثمان الشهيد راقدًا ، وقد أخفي وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائة الذكية ..

لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله صلي الله عليه وسلم يصيبه السوء ، فأخفي وجهه حتى لا يري هذا الذي يُحاذره ويخشاه ..!!

أو لكأنه خجلان إذ سقط شهيدا قبل أن يطمئن علي نجاة رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وقبل أن يؤدي إلي النهاية واجب حمايته والدفاع عنه ..!!

لك الله يا مصعب ... يا من ذِكْرك عِطْر للحياة .. !!



وجاء الرسول صلي الله عليه وسلم وأصحابه .. رضوان الله عليهم .. يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها ..

وعند جثمان مصعب ، سالت دموع وفيه غزيرة ..

يقول خَباب بن الأرَت :

هاجرنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في سبيل الله ، نبتغي وجه الله ، فوجب أجرنا علي الله .. فمنا من مضي ، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا ؛ منهم ( مصعب بن عمير ) قتل يوم أحد ... فلم يوجد له شئ يكفن فيه إلا نَمِرَة .. فكنا إذا وضعناها علي رأسه تعرت رجلاه ، وإذا وضعناها علي رجليه برز رأسه ، فقال لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم اجْعَلوها مما يَلي رَأْسَهُ ، واجعلوا علي رجليه من نباتِ الإذْخِر .

وعلي الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رُزء الرسول صلي الله عليه وسلم في عمه حمزة ، وتمثيل المشركين بجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول صلي الله عليه وسلم وأوجع فؤاده ..

وعلي الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه .. رضوان الله عليهم جميعا .. الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالما من الصدق ، والطهر ، والنور..

علي الرغم من كل هذا ، فقد وقف علي جثمان أول سفرائه ، يودعه وينعاه ..

أجل .. وقف الرسول صلي الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير ، وقال وعيناه تلفانه بضيائهما ، وحنانهما ووفائهما :

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ )

ثم ألقي في أسي نظرة علي بردته التي كفن فيها وقال :

لقد رأيتك بمكة ، وما بها أَرَقُّ حُلة ، ولا أحسنُ لَّمِة منكَ ، ثم ها أنت ذا شَعِثُ الرأس في بردة ..؟!

وهتف الرسول صلي الله عليه وسلم وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق (مصعب ) وقال

إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يومَ القيامة .

ثم أقبل علي أصحابه الأحياء حوله وقال :

( أيها الناسُ زوروهم ، وأتوهم ، وسلموا عليهم ، فوالذي نفسي بيده ، لا يسلم عليهم مسلم إلي يوم القيامة إلا ردوا عليه السلام )

السلام عليك يا مصعب.....

السلام عليكم معشر الشهداء .....

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..........

============================================================



انتظروا الباحث عن الحقيقة

سيدنا : سَلْمَانُ الْفـَـارِسِيُّ رضي الله عنه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
غادة سعد العشرى
مشرف
مشرف


عدد الرسائل : 162
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 01/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الأحد مارس 09, 2008 10:17 am

جزاك الله خيرا يا ياسر على هذه السلسلة من قصص الصحابة ورجال حول الرسول

سوف اقوم بعد ذلك بنقل كل الردود من هذا الموضوع الى مكان اخر ليستمر هذا الموضوع كحلقات مسلسلة وككتاب بين ايدينا لاستفاده الاجمالية
لو موافق ابغلنى لانجذ هذا الامر..

اختك غادة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
محمد مختار
عضو مميز جداً
عضو مميز جداً
avatar

عدد الرسائل : 68
العمر : 38
تاريخ التسجيل : 13/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الأحد مارس 09, 2008 11:46 am

جزاك الله خيرا يا أستاذ ياسر علي هذه النماذج الرائعة التي لودرسها الشباب لتغير حاله
يقول النبي صلي الله عليه وسلم"أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم أهتديتم"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الثلاثاء مارس 11, 2008 9:31 pm

سيدنا / سَلْمَانُ الْـفارِسِيُّ
الْبـَاحِثُ عَنِ الْحَقِيقَةِ


من بلاد فارس ، يجئ البطل هذه المرة ...

ومن بلاد فارس ، عانق الإسلام مؤمنون كثيرون فيما بعد فجعل منهم أفذاذا لا يُلْحَقُونَ في الأيمان ، وفي العلم .. في الدين ، وفي الدنيا ..

وإنها لإحدى روائع الإسلام وعظائمه ، ألا يدخل بلدا من بلاد الله إلا ويثير في إعجاز باهر كل نبوغها ، ويحرك كل طاقاتها ، ويخرج خَبْء العبقرية المستكينة في أهلها وذويها .. فإذا الفلاسفة المسلمون .. والأطباء المسلمون .. والفقهاء المسلمون .. والفلكيون المسلمون .. والمخترعون المسلمون .. وعلماء الرياضة المسلمون ..

وإذا بهم يبزغون من كل أفق ، ويَطلعون من كل بلد ، حتى تزدحم عصور الإسلام الأولي بعبقريات هائلة في كل مجالات العقل ، والإرادة والضمير .. أوطانهم شتي ، ودينهم واحد ..!! ولقد تنبأ الرسول عليه السلام بهذا المد المبارك لدينه .. لا ، بل وُعد به وَعْدَ صدق من ربه الكبير العليم .. ولقد زُوِيَ له الزمان والمكان ذات يوم ، ورأي رأي العين راية الإسلام تخفق فوق مدائن الأرض ، وقصور أربابها ...

وكان سلمان الفارسي شاهدا .. وكان له بما حدث علاقة وُثقي .

كان ذلك يوم الخندق .. في السنة الخامسة للهجرة ؛ إذ خرج نفر من زعماء اليهود قاصدين مكة ، مؤلبين المشركين ومُحزِّبين الأحزاب علي الرسول والمسلمين ، متعاهدين معهم علي أن يعاونهم في حرب حاسمة تستأصل شأفة هذا الدين الجديد .

ووضعت خطة الحرب الغادرة ، علي أن يهاجم جيش قريش وغَطَفان ( المدينة ) من خارجها ،

بينما يهاجم بنو قُرّيظة من الداخل ، من وراء صفوف المسلمين ، الذين سيقعون آنئذ بين شِقَّيْ رَحَي تطحنهم ، وتجعله ذكري ..!!

وفوجئ الرسول صلي الله عليه وسلم والمسلمون يومًا بجيش لَجِب يقترب من المدينة في عُدَّةِ متفوقة وعتاد مُدَمْدم .

وسُقِطَ في أيدي المسلمين ، وكاد صوابهم يطير من هول المباغتة ، وصور القرآن الموقف ، فقال

{ إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا }

أربعة وعشرون ألف مقاتل بقيادة أبي سفيان ، وعيينة بن حصن يقتربون من المدينة ؛ ليطوقونها وليبطشوا بطشتهم الحاسمة ؛ كي ينتهوا من محمد صلي الله عليه وسلم ودينه ، وأصحابه . رضوان الله عليهم ..

وهذا الجيش لا يمثل قريشا وحدها ... بل معهم كل القبائل والمصالح التي رأت في الإسلام خطرا عليها ..

إنها محاولة أخيرة وحاسمة يقوم بها جميع أعداء الرسول : أفراد ، وجماعات ، وقبائل ، ومصالح ..

ورأي المسلمون أنفسهم في موقف عصيب. وجمع الرسول صلي الله عليه وسلم أصحابه ليشاورهم في الأمر

وطبعا ؛ أجمعوا علي الدفاع والقتال .. ولكن كيف الدفاع ..؟؟

هنالك تقدم الرجل الطويل الساقين ، الغزير الشعر ، الذي كان الرسول صلي الله عليه وسلم يحمل له حبا عظيما ، واحتراما كبيرا ..

تقدم ( سلمان الفارسي ) وألقي نظرة من فوق هضبة عالية نظرة فاحصة علي المدينة ، فألفاها ، كما عهدها ، محصنة بالجبال والصخور المحيطة بها .. بيد أن هناك فجوة واسعة ، ومهيأة ، يستطيع الجيش أن يقتحم منها الحِمَي في يُسر .

وكان ( سلمان ) قد خَبَر في بلاده ( فارس ) الكثير من وسائل الحرب وخدع القتال ، فتقدم للرسول صلي الله عليه وسلم . بمقترحه الذي لم تعده العرب من قبل في حروبها .. وكان عبارة عن حفر خندق يغطي جميع المنطقة المكشوفة حول المدينة .

والله يعلم ماذا كان المصير الذي ينتظر المسلمين في تلك الغزوة لو لم يحفروا الخندق الذي لم تكد قريش تراه حتى دوختها المفاجأة ،وظلت قواتها جاثمة في خيامها شهرًا وهي عاجزة عن اقتحام المدينة ، حتى أرسل الله تعالي .. عليها ذات ليلة ريحا صرصرا عاتية اقتلعت خيامها وبددت شملها .. ونادي أبو سفيان في جنوده أمرًا بالرحيل إلي حيث جاءوا .. فُلولا يائسة منهوكة ..!!

خلال حفر الخندق كان ( سلمان ) يأخذ مكانه مع المسلمين وهم يحفرون ويدأبون .. وكان الرسول صلي الله عليه وسلم يحمل معوله ويضرب معهم . وفي الرقعة التي يعمل فيها ( سلمان ) مع فريقه وصحبه ، اعترضت معاولهم صخرة عاتية ..

كان ( سلمان ) قوي البنية ، شديد الأسْر ، وكانت ضربة واحدة من ساعده الوثيق تفلق هام الصخر وتنثره شظايا ، لكنه وقف أمام هذه الصخرة عاجزا .. وتواصي عليها بمن معه جميعا فزادتهم رهَقْـا ..!!

وذهب (سلمان ) إلي الرسول صلي الله عليه وسلم يستأذنه في أن يغيروا مجري الحفر تفاديا لتلك الصخرة العنيدة المتحدية.

وعاد الرسول صلي الله عليه وسلم مع ( سلمان ) يعاين بنفسه المكان والصخرة..وحين رآها , دعا بمعول , وطلب من أصحابه إن يبتعدوا قليلا عن مرمى الشظايا........وسمي الله, ورفع كلتا يديه الشريفتين القابضتين على المعول في عزم وقوة , وهوى به على الصخرة , فإذا بها تنثلم , ويخرج من ثنايا صدعها الكبير وهجا عاليا مضيئا

ويقول "سلمان "لقد رايته اى الوهج يضئ ما بين لابنتيها ؛ أي : يضئ جوانب المدينة ... وهتف الرسول صلى الله عليه وسلم مكبرا:.

" الله اكبر ....أعطيت مفاتيح فارس ولقد أضاء لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى وان امتى ظاهرة عليها"...

ثم رفع المعول .. وهوت ضربته الثانية ؛ فتكررت الظاهرة ، وبرقت الصخرة المتصدعة بوهج مضئ مرتفع ، وهلل الرسول صلي الله عليه وسلم مكبرا

الله أكبر ... أعطيت مفاتيح الروم ، ولقد أضاء لي منها قصورها الحمراء ، وان أمتي ظاهرة عليها .

ثم ضرب ضربته الثالثة فألقت الصخرة سلامها واستسلامها وأضاء برقها الشديد الباهر ، وهلل الرسول صلى الله عليه وسلم .. وهلل المسلمون معه .. وأنباهم انه يبصر الآن قصور سوريه وصنعاء وسواهما من مدائن الأرض التي ستخفق فوقها راية الله يوما ، وصاح المسلمون في إيمان عظيم هذا ما وعدنا الله ورسوله... وصدق الله ورسوله ... !!

كان "سلمان "صاحب المشورة بحفر الخندق .. وكان صاحب الصخرة التي تفجرت منها بعض أسرار الغيب والمصير حين استعان عليها برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قائما إلى جوار الرسول يرى الضوء ، ويسمع البشري ... ولقد عاش رأي البشري حقيقة يعيشها ، وواقعا يحياه ، فرأي مدائن الفرس والروم ..

رأي قصور صنعاء ، وسوريا ، ومصر ، والعراق ...

رأي جنبات الأرض كلها تهتز بالدوي المبارك الذي ينطلق من ربا المآذن العالية في كل مكان مشعا أنوار الهدي والخير ... !!

وها هو ذا جالس هناك تحت ظل الشجرة الوارفة الملتفة أمام داره ( بالمدائن ) يحدث جلساءه عن مغامرته العظمي في سبيل الحقيقة ، ويقص عليهم كيف غادر دين قومه الفرس إلي دين المسيحية ثم إلي الإسلام ...

كيف غادر ثراء أبيه الباذخ ، ورمي بنفسه في أحضان الفاقة ؛ بحثا عن خلاص عقله وروحه ...؟؟!!

كيف بيع في سوق الرقيق ؛ وهو في طريق بحثه عن الحقيقة ... كيف التقي بالرسول صلي الله عليه وسلم وكيف أمن به ..؟

تعالوا نقترب من مجلسه الجليل ، ونصغ إلي النبأ الباهر الذي يرويه ...

كنت رجلا من أصبهان ، من قرية يقال لها : ( جي ) .. وكان أبي دهقان أرضه .. وكنت من أحب عباد الله إليه

وقد اجتهدت في المجوسية ، حتى كنت قاطن النار التي نوقدها ، ولا نتركها تخبو ...

وكان لأبي ضيعة ، أرسلني إليها يوما ، فخرجت ، فمررت بكنيسة للنصارى ، فسمعتهم يصلون ، فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون ، فأعجبني ما رأيت من صلاتهم ، وقلت لنفسي : هذا خير من ديننا الذي نحن عليه ،فما برحتهم حتى غابت الشمس ، ولا ذهبت إلي ضيعة أبي ، ولا رجعت إليه حتى بعث في أثري ..

وسألت النصارى حين أعجبني أمرهم وصلاتهم عن أصل دينهم ، فقالوا : في الشام وقلت لأبي حين عدت اليه

إني مررت علي قوم يصلون في كنيسة لهم ؛ فأعجبني صلاتهم ، ورأيت أن دينهم خير من ديننا ... فحاورني وحاورته .. ثم جعل في رجلي حديدا وحبسني ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الثلاثاء مارس 11, 2008 9:33 pm

وأرسلت إلي النصارى أخبرهم أني دخلت في دينهم ، وسألتهم إذا قدم عليهم ركب من الشام أن يخبروني قبل عودتهم إليها ؛ لأرحل إلي الشام معهم ، وقد فعلوا ، فحطمت الحديد وخرجت ، وانطلقت معهم إلي الشام ..

وهناك سألت عن عالمهم ، فقيل لي : هو الأسقف ، صاحب الكنيسة ، فأتيته وأخبرته خبري فأقمت معه أخدم وأصلي وأتعلم .. وكان الأسقف رجل سوء في دينه ؛ إذ كان يجمع الصدقات من الناس ؛ ليوزعها ، ثم يكتنزها لنفسه .. ثم مات وجاءو بأخر فجعلوه مكانه ، فما رأيت رجلا علي دينهم خيرا منه ، ولا أعظم رغبة في الآخرة ، وزهدا في الدنيا ودأبا علي العبادة ... وأحببته حبا ما علمت أنني أحببت أحدا مثله قبله ... فلما حضره قدره ، قلت له : انه قد حضرك من أمر الله ما تري ، فبما تأمرني ، والي من توصي بي ؟؟

قال : أي بني ، ما أعرف أحدا من الناس علي مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل .. فلما توفي أتيت صاحب الموصل ، فأخبرته الخبر ، وأقمت معه ما شاء الله أن أقيم ، ثم حضرته الوفاة ، فسألته ، فدلني علي عابد في ( نصيبين )

فأتيته وأخبرته خبري ، ثم أقمت معه ما شاء الله أن أقيم ، فلما حضرته الوفاة سألته ، فأمرني أن ألحق برجل في عمورية من بلاد الروم ، فرحلت إليه ، وأقمت معه ... واصطنعت لمعاشي بقرات وغنيمات ..

ثم حضرته الوفاة ، فقلت له : إلي من توصي بي ؟ فقال لي : يا بني ما أعرف أحدا علي مثل ما كنا عليه أمرك أن تأتيه ، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث يدين بدين إبراهيم حنيفا ... يهاجر إلي أرض ذات نخل بين حرتين : فإن استطعت أن تخلص إليه فافعل .

وإن له آيات لا تخفي : فهو لا يأكل الصدقة .. ويقبل الهدية ... وإن بين كتفية خاتم النبوة ، إذا رأيته عرفته .

ومر بي ركب ذات يوم . فسألتهم عن بلادهم ، فعلمت أنهم من جزيرة العرب ، فقلت لهم : أعطيكم بقراتي هذه وغنمي علي أن تحملوني معكم إلي أرضكم ؟ .. قالوا نعم .. واصطحبوني معهم حتى قدموا بي ( وادي القرى) وهناك ظلموني ، وباعوني إلي رجل من يهود ... وبصرت بنخل كثير ، فطمعت أن تكون هي البلدة التي وصفت لي ، والتي ستكون مهاجر النبي المنتظر صلي الله عليه وسلم ... ولكنها لم تكنها .

وأقمت عند الرجل الذي اشتراني ، حتى قدم عليه يوما رجل من يهود بني قريظة ، فابتاعني منه ، ثم خرج بي حتى قدمت المدينة !! فوالله ما رأيتها حتى أيقنت أنها البلد التي وصفت لي ...

وأقمت معه أعمل له في نخله في بني قريظة حتى بعث الله رسوله صلي الله عليه وسلم وحتى قدم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف .

وإني لفي رأس نخله يوما ، وصاحبي جالس تحتها ، إذ اقبل رجل من يهود ، من بني عمه ، فقال يخاطبه : قاتل الله بني قيلة ؛ إنهم ليتقاصفون علي رجل بقباء ، قادم من مكة يزعمون انه نبي ..

فوالله ما هو إلا أن قالها حتى أخذتني العُرواء ، فرجفت النخلة حتى كدت أسقط فوق صاحبي !! ثم نزلت سريعا ، أقول : ماذا تقول .. ؟ ما الخبر .. ؟؟

فرفع سيدي يده ولكزني لكزة شديدة ، ثم قال : مالك ولهذا ... ؟ أقبل علي عملك .. فأقبلت علي عملي .. ولما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلي الله عليه وسلم بقباء... فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه ، فقلت له : إنكم أهل حاجة وغربة ، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة ، فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به . ثم وضعته ، فقال الرسول صلي الله عليه وسلم لأصحابه ( كلوا باسم الله ) وأمسك هو فلم يبسط إليه يدا .. فقلت في نفسي : هذه والله واحدة ... انه لا يأكل الصدقة .. !! ثم رجعت وعدت إلي الرسول صلي الله عليه وسلم في الغداة ، أحمل طعاما ، وقلت له عليه السلام : إني رأيتك لا تأكل الصدقة .. وقد كان عندي شئ أحب أن أُكرمك به هدية ؛ ووضعته بين يديه ، فقال لأصحابه (( كلوا باسم الله )) وأكل معهم .. قلت لنفسي : هذه والله الثانية .. انه يأكل الهدية ... !!

ثم رجعت فمكثت ما شاء الله ، ثم أتيته ، فوجدته في البقيع قد تبع جنازة ، وحوله أصحابه وعليه شملتان ؛ مؤتزرا بواحدة ، مرتديا الاخري ، فسلمت عليه ثم عدلت لأنظر أعلي ظهره فعرف أني أريد ذلك فألقي بردته عن كاهله ، فإذا بالعلامة بين كتفيه .. خاتم النبوة ، كما وصفه لي صاحبي .. فأكببت عليه اقبله وأبكي ... ثم دعاني صلي الله عليه وسلم فجلست بين يديه ، وحدثته حديثي كما أحدثكم الآن ..

ثم أسلمت .. وحال الرق بيني وبين شهود بدر وأحُد .. وفي ذات يوم قال الرسول عليه السلام : كاتب سيدك أن يعتقك ؛ فكاتبته ، وأمر الرسول صلي الله عليه وسلم الصحابة كي يعاونوني ،وحرر الله رقبتي ، وعشت حرا مسلما ، وشهدت مع رسول الله غزوة الخندق ، والمشاهد كلها ..

بهذه الكلمات الوضاء العِذاب .. تحدث ( سلمان الفارسي ) عن مغامراته الذكية النبيلة العظيمة في سبيل بحثه عن الحقيقة الدينية التي تصله بالله ، وترسم له دوره في الحياة ... فأي إنسان شامخ كان هذا الإنسان ...؟

أي تفوق عظيم أحرزته روحة الطلعة ، وفرضته إرادته الغلابة علي المصاعب فقهرها ، وعلي المستحيل فجعله ذلولا ..؟

أي تبتل للحقيقة ..؟ وأي ولاء هذا الذي أخرج صاحبه طائعا مختارا من ضياع أبيه ، وثرائه ، ونعمائه إلي المجهول بكل أعبائه ، ومشاقة ، ينتقل من أرض إلي أرض .. ومن بلد إلي بلد .. ناصبا ، كادحا عابدا .. تفحص بصيرته الناقدة الناس والمذاهب والحياة ... ويظل في إصراره العظيم وراء الحق ، وتضحياته النبيلة من أجل الهدي حتى يباع رقيقا .. ثم يثيبه الله ثوابه الاوفي ، فيجمعه بالحق . ويلاقيه برسوله صلي الله عليه وسلم ثم يعطيه من طول العمر ما يشهد معه بكلتا عينيه رايات الله تخفق في كل مكان من الأرض ، وعباده المسلمون يملئون أركانها وأنحائها هدي ، وعمرانا ، وعدلا ...؟!!

ماذا نتوقع أن يكون إسلام رجل هذه همته ، وهذا صدقه؟

لقد كان إسلام الأبرار المتقين ... وقد كان في زهده ، وفطنته ، وورعه أشبه الناس بعمر بن الخطاب .

أقام أيامًا مع ( أبي الدرداء ) في دار واحدة .. وكان ( أبو الدرداء ) رضي الله عَنْهُ . يقوم الليل ويصوم النهار .. كان ( سلمان ) يأخذ عليه مبالغته في العبادة علي هذا النحو .

وذات يوم حاول سلمان أن يثني عزمه عن الصوم وكان نافلة .. فقال له ( أبو الدرداء ) معاتبا : أتمنعني أن أصوم لربي ، وأصلي له ؟! فأجابه سلمان قائلا : إن لعينيكَ عليك حَقـًّــا ، وإن لأهْـلِكَ حَقًّـا ، صُـمْ وَأفْطِرْ .. وَصَلِّ وَنَمْ )..

فبلغ ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال : لقد أُشْبعَ سَلْمَانُ عِلْمًا... )

وكان الرسول عليه السلام يُطْري فطنته وعلمه كثيرًا ، كما كان يُطْري خُلُقه ودينه ..

ويوم الخندق ، وقف الأنصار يقولون : سلمان منا .. ووقف المهاجرون يقولون : سلمان منا

ونادهم الرسول صلي الله عليه وسلم قائلا : (سَلْمَانُ مِنَّ ألَ البيت ) .. ؟ وانه بهذا الشرف لجدير ..

وكان ( عليُّ بن أبي طالب ) كرم الله وجهه . يلقبه بـ ( لقمان الحكيم ) سئل عنه بعد موته فقال : ذاك امْرُؤ منَّـا وَإِليْنَا أهْلَ البيتِ .. مَنْ لكُمْ بمثل لُقْمَان الحكيم ..؟ أوتيَ العلم الأول والعلم الأخر ، وقَرَأ الكتاب الأول َ والكتاب الأخر ، وكان بَحْرًا لا ينزف ) ولقد بلغ في نفوس أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم جميعا المنزلة الرفيعة والمكان الاسمي .

ففي خلافة ( عمر ) جاء المدينة زائرا ، فصنع ( عمر ) مالا نعرف أنه صنعه مع أحد غيره أبدا ؛ إذ جمع أصحابه وقال لهم : ( هيا بنا نخرج لاستقبال سلمان ) !! وخرج بهم لاستقباله عند مشارف المدينة .

لقد عاش سلمان مع الرسول صلي الله عليه وسلم منذ التقائه به وأمن معه مسلمًا حُرَّا ، ومجاهدًا ، وعابدًا وعاش مع خليفته ( أبي بكر ) ثم أمير المؤمنين ( عمر ) ثم الخليفة ( عثمان ) حيث لقي ربه أثناء خلافته .

وفي معظم السنوات ، كانت رايات الإسلام تملأ الأفق ، وكانت الكنوز والأموال تحمل إلي ( المدينة ) فَيْئًـا وجِزية ، فتوزع علي الناس في صورة أعطيات منتظمة ، ومرتبات ثابتة . وكثرت مسئوليات الحكم علي مستوياتها كافة ، فكثرت الأعمال والمناصب تبعًا لها .. فأين كان ( سلمان ) من هذا الخضم ..؟

وأين نجده في أيام الرخاء ، والثراء ، والنعمة تلك ..؟ افتحوا أبصاركم جيدا ..

أترون هذا الشيخ المهيب الجالس هناك في الظل يضفر الخُوص ، ويصنع منه أوعية ومَكائل ..

إنه ( سلمان ) ...!!

انظروه جيدا ... في ثوبه القصير الذي انحصر من قصره الشديد إلي ركبتيه ..

انه هو ، في جلال مشيته ، وبساطة إهابه .

لقد كان عطائه وفيرا ... كان بين أربعة ألاف وستة ألاف في العام – بيد أنه كان يوزعه جميعا ، ويرفض أن يناله منه درهم واحد ، ويقول : ( أشتري خوصا بدرهما ، فأعمله ، ثم أبيعه بثلاث دراهم ، فأعيد درهما فيه ، وأنفق درهما علي عيالي ، وأتصدق بالثالث .. ولو أن ( عمر بن الخطاب ) نهاني عن ذلك ما انتهيت ) !

ثم ماذا ، يا أتباع محمد ... ؟؟

ثم ماذا يا شرف الإنسانية في كل عصورها ومواطنها ... ؟؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الثلاثاء مارس 11, 2008 9:34 pm

لقد كان بعضنا يظن حين يسمع عن تقشف بعض الصحابة وورعهم ، مثل أبي بكر ، وعمر ، وأبي ذر ، وإخوانهم ، أن مرجع ذلك طبيعة الحياة في الجزيرة العربية حيث يجد العربي متاع نفسه في البساطة

فها نحن أولاء أمام رجل من الفرس : بلاد البذخ والطرف والمدنية ، ولم يكن من فقراء الناس بل من صفوتهم .. ما باله اليوم يرفض المال ، والثروة ، والنعيم ، ويصر علي أن يكتفي في يومه بدرهم يكسبه من عمل يده ..؟

ما باله يرفض الأمارة ويهرب منها ويقول : إن استطعت أن تأكل التراب ولا تكونن أميرا علي اثنين فأفعل )

ما باله يهرب من الإمارة والمنصب إلا أن تكون إمارة علي سَريَّة ذاهبة إلي الجهاد والا أن تكون في ظروف لا يصلح لها سواه فيكره عليها إكراها ويمضي إليها باكيا وَجِلا ..؟

ثم ما باله حين يلي هذه الإمارة المفروضة عليه فرضا يأبى أن يأخذ عطاءها الحلال ..؟؟

روي هشام بن حسان عن الحسن :

( كان عَطَاء سَلْمَان خمسة ألاف ، وكان علي ثلاثين ألفًـا من الناس يخْطُبُ عَباءة يَفترِشُ نصفها ، ويلْبَسُ نِصْفها.. وكان إذا خرج عطاؤه أمْضَاهُ ، ويأكلُ من عمل يديْهِ ..)

ما باله يصنع كل هذا الصنيع ، ويزهد كل ذلك الزهد ، وهو الفارسي ، ابن النعمة ، وربيب الحضارة ..؟

لنستمع الجواب منه . وهو علي فراش موته ، تتهيأ روحة العظيمة للقاء ربها العلي الرحيم . دخل عليه ( سعد بن أبي وقاص ) يعوده ، فبكي ( سلمان ) .

قال له سعد : ما يُبْكيك يا أبا عبد الله ..؟ لقد توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ ) فأجابه سلمان : ( والله ما أبكي جزعا من الموتِ ، ولا حرصا علي الدنيا ، ولكن رسول الله صلي الله عليه وسلم عَهدَ إلينا عَهْدًا ، فقال : لِيَكُن حَظ أحدكم من الدنُّيا مثلَ زَادِ الرَّاكبِ ، وهَأنذا حَوْلي هذه الاسَاوِدُ )!!

يعني بالاساود : الأشياء الكثيرة !

قال سعد : فنظرت فلم أرَ حوله إلا جفنة ومطهرة ، فقلت له : يا أبا عبد الله اعهد إلينا بعهد نأخذه عنك ، فقال : يا سعد : اذكر الله عند هَمِّــك إذا هِممت .. وعند حُكْمك إذا حكمت .. وعند يدك إذا قَسَمْت ..)

هذا – إذن – هو الذي ملأ نفسه غني ، بقدر ما ملأها عزوفا عن الدنيا بأموالها ومناصبها وجاهها .. عَهْدُ رسول الله صلي الله عليه وسلم إليه والي أصحابه جميعا : ألا يدعوا الدنيا تتملكهم ، وألا يأخذ أحدهم منها إلا مثل زاد الراكب .

ولقد حفظ ( سلمان ) العهد ، ومع هذا هطلت دموعه حين رأي روحه تتهيأ للرحيل ؛ مخافة أن يكون قد جاوز المدى . ليس حوله إلا جَفْنة يأكل فيها ، ومطهرة يشرب منها ويتوضأ .. ومع هذا يحسب نفسه مترفا ..

ألم أقل لكم إنه أشبه الناس بعمر . رضي الله عنهما .. ؟

وفي الأيام التي كان فيها أميرا علي المدائن ، لم يتغير من حاله شئ ، فقد رفض . كما رأينا أن يناله من مُكافأة الإمارة درهم ، وظل يأكل من عمل الخوص .. ولباسه ليس إلا عباءة تنافس ثوبه القديم في تواضعها ..

وذات يوم ، وهو سائر في الطريق لقيه رجل قادم من الشام ومعه حِمل تين ، وتمر .. وكان الحمل يئود الشامي ويتعبه ، فلم يكد يبصر أمامه رجلا يبدو عليه أنه من عامة الناس وفقرائهم ، حتى بدا له أن يضع الحمل علي كاهله ، حتى إذا ابلغه وجهته أعطاه شيئا نظير حَمله .

وأشار للرجل فأقبل عليه ، وقال له الشامي : احمل عني هذا . فحمله ومضيا معًا .

وإذا هما في الطريق بلغا جماعة من الناس ، فسلم عليهم ، فأجابوا واقفين :وعل الأمير السلام

وعلي الأمير السلام ..؟؟ أي أمير يعنون ..؟!! هكذا سأل الشامي نفسه ..

ولقد زادت دهشته حين رأي بعض هؤلاء يسارع صوب ( سلمان ) ليحمل عنه قائلين : عنك أيها الأمير..!!

فعلم الشامي أنه أمير المدائن ( سلمان الفارسي ) فسُقِطَ في يده ، وهربت كلمات الاعتذار والأسف من بين شفتيه ، واقترب ينتزع الحمل ، لكنَّ ( سلمان ) هز رأسه رافضا وهو يقول : ( لا ) حتى أُبْلِغَكَ منزِلَكَ .. !!

سئل يومًا : ما الذي يبغض الإمارة إلي نفسك ..؟ فأجاب : ( حلاوة رَضاعها ، ومَرَارة فِطَامها )

ويدخل عليه صاحبه يومًا بيته فإذا هو يعجن ، فيسأله : أين الخادم ؟ فيجيبه قائلا :

( لقد بعثناها في حاجة ، فكرهنا أن نجمع عليها عملين .. )

وحين نقول ( بيته ) فلنذكر تمامًا ، ماذا كان ذلك البيت ...؟ فحين هَمَّ ( سلمان ) ببناء هذا الذي يسمي – مع التجاوز ( بيتا ) سأل البناء:كيف ستبنيه..؟؟

وكان البناء حصيفا ذكيا ,يعرف زهد (سلمان) وورعه... فأجابه قائلا: لاتخف...إنها بناية تستظل بها من الحر , وتسكن فيها من البرد, إذا وقفت فيها اصابت راسك , وإذا اضطجعت فيها اصابت رجلك)...

فقال له سلمان :

(نعم , هكذا فاصنع) !!

لم يكن هناك من طيبات الحياة الدنيا شئ ما يركن إليه (سلمان) لحظة , أو تعلق به نفسه اثارة , إلا شيئا كان يحرص عليه ابلغ الحرص , ولقد ائتمن عليه وزوجته, وطلب إليها أن تخفيه في مكان بعيد وأمين .

وفى مرض موته , وفى صبيحة اليوم الذي قـُبض فيه , ناداها:

( هَلُمّى خَبِيَّك التي اسْتَخْبَأتُك)..!!

فجاءت بها , وإذا هي صُرُّة مسك , كان قد أصابها يوم فتح ( جَِـلْـوَلاء) فاحتفظ بها , لتكون عطره يوم مماته.

ثم دعا بقدح ماء نثر المسك فيه , ثم مَاثَـهُ بيده , وقال لزوجته :

(انَْـضَحِيه حولي...فانه يحضرُني الآن خَلْقٌ من خَلْق الله , لا يأكلون الطعامَ , وإنما يُحِبَّون الِّطيب )

فلما فعلت قال لها : ( اجْفـَئي علىَّ الباب وانزلي)...ففعلت ما أمرها به000

وبعد حين صعدت إليه , فإذا روحه المباركة قد فارقت جسده ودنياه00

لقد لحقت بالملإ الأعلى , وصعدت على أجنحة الشوق إليه , إذ كانت على موعد هناك مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم , وصحابية أبى بكر وعمر ... ومع ثـُلَّـةٍ مجيدة من الشهداء والأبـــــرار.
*******


لطالما بـَــــرَّح الشـــــوق الظامئ بسلمــــان ..

وأن له اليــــوم أن يرتـــــــوي ، وينْـــهَــــل ...



====================================================

انتظروا

زعــــيم المعارضــــــة وعدو الثــــــــروات

ســــــيدنا : ؟؟

فابقوا معنا ....................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
غادة سعد العشرى
مشرف
مشرف


عدد الرسائل : 162
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 01/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الأربعاء مارس 12, 2008 9:51 am

نشكر لك يا ياسر هذا التقديم الرائع لكتاب رجال حول الرسول وبالتأكيد نحن فى انتظار الشخصية الثالثة من رجال حول الرسول سيدنا ابو زر ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ريهام حسني



عدد الرسائل : 3
العمر : 45
تاريخ التسجيل : 21/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   السبت مارس 22, 2008 10:09 pm

شوقتنى ياياسر لشخصية زعيم المعارضه وشكرا جزيلا على معلوماتك فكم هى مفيدة وممتعة ماشاء الله عليك يا صديقى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الإثنين مارس 31, 2008 6:58 pm

َأبُو َذرٍّ الْغِفَارِيُّ
زَعِيمُ الْمُعَارَضَةِ ، وَعَدُوُّ الثَّرَوَاتِ


أقبل علي مكة نشوان مغتبطًا ..

صحيح أن وعثاء السفر وقيح الصحراء قد وَقَذًاه بالضنى والألم ، بَيْدَ أنَّ الغاية التي يسعى إليها ، أنسته جراحه ، وأفاضت علي روحه الحبور والبشر .

ودخلها متنكرا؛ كأنه واحد من أولئك الذين يقصدونها ؛ ليطوفوا بآلهة الكعبة العظام .. أو كأنه عابر سبيل ضل طريقه ، أو طال به السفر والارتحال فأوي إليها يستريح ويتزود . فلو علم أهل مكة أنه جاء يبحث عن محمد عليه السلام ، ويستمع إليه لفتكوا به .

وهو لا يري بأسا في أن يفتكوا به ، ولكن بعد أن يقابل الرجل الذي قطع الفيافي ليراه ، وبعد أن يؤمن به ، إن اقتنع بصدقه واطمأن لدعوته .

ولقد مضي يتسمع الأنباء من بعيد ، وكلما سمع قومًا يتحدثون عن محمد اقترب منهم في حذر ، حتى جمع من نِثارات الحديث هنا وهناك ما دَلَّهُ علي محمد صلي الله عليه وسلم ، وعلي المكان الذي يستطيع أن يراه فيه .

في صبيحة يوم ذهب إلي هناك ، فوجد الرسول صلي الله عليه وسلم ، جالسا وحده فاقترب منه وقال : نَعِمْتَ صباحًا يا أخا العرب ..

فأجاب الرسول صلي الله عليه وسلم : وعليك السلام يا أخاه .

قال أبو ذر : انشدني مما تقول ...

فأجاب الرسول صلي الله عليه وسلم : ما هو بشعر فأنشدك ، ولكنه قرأن كريم .

قال أبو ذر : اقرأ عليَّ .

فقرأ عليه ( الرسول ) ( وأبو ذر ) يصغي .. ولم يمضي من الوقت غير القليل ، حتى هتف أبو ذر : ( أشهدُ أنْ لا إله إلا الله .. وأشهدُ أنْ محمدًا عبده ورسوله )! وسأله النبي صلي الله عليه وسلم : ممن أنت يا أخا العرب .. فأجابه أبو ذر : من غِفَار ..

وتألقت ابتسامة واسعة علي فم النبي صلي الله عليه وسلم ، واكتسي وجهه بالدهشة والعجب ..

وضحك ( أبو ذر ) كذلك ؛ فهو يعرف سر العجب الذي كسا وجه الرسول صلي الله عليه وسلم حين علم أن هذا الذي يجهر بالإسلام أمامه إنما هو رجل من غِفَار .. !!

فغِفَار هذه قبيلة لا يُدرَك لها شأو في قطع الطريق ..!! وأهلها مضرب الأمثال في السطو غير المشروع .. إنهم حلفاء الليل والظلام ، والويل لمن يسلمه الليل إلي واحد من قبيلة غِفَار .

افيجئ منهم اليوم . والإسلام لا يزال دينًا غضًّا مستخفيًا . واحد ليسلم .. ؟!

يقول ( أبو ذر ) وهو يروي القصة بنفسه :

فجعل النبي صلي الله عليه وسلم يرفعَ بصرَهُ ويُصَوِّبُهُ ، تَعَجُّبًا ؛ لما كان مِنْ غِفَار ، ثم قال : إنَّ الله يهدِي مَنْ يَشَاء .

ولقد كان ( أبو ذر ) رَضِيَ الله عنه –أحد الذين شاء الله لهم الهدي ، وأراد بهم الخير وإنه لذو بَصَر بالحقِّ ، فقد رُوِيَ عنه أنه أحد الذين يتألهون في الجاهلية ؛ أي يتمردون علي عبادة الأصنام ، ويذهبون إلي الأيمان بإله خالق عظيم .

وهكذا ، ما كاد يسمع بظهور نبي يُسَفَّه الأصنام وعُبَّادِها ، ويدعوا إلي عبادة الله الواحد القهار ، حتى حثَّ الخُطـَـي ، وشد الرحَال .

أسلم ( أبو ذر ) من فوره ...

وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس ...

إذًا هو قد أسلم في الأيام الأولي ، بل في الساعات الأولي للإسلام ، وكان إسلامه مبكرًا ...

وحين أسلم كان الرسول صلي الله عليه وسلم يهمس بالدعوة همسًا .. يهمس بها إلي نفسه ، والي الخمسة الذين أمنوا معه ، ولم يكن أمام ( أبي ذر ) إلا أن يحمل أيمانه بين جنبَيْه ، ويتسلل به مغادرًا مكة ، وعائدا إلي قومه ...

لكن أبا ذر ( جُنْدب بن جنادة ) يحمل طبيعة فوَّارة جيَّاشة .

لقد خلق ليتمرد علي الباطل أنَّي يكون .. وها هو ذا يري الباطل بعينيه .. حجارة مرصوصة ، ميلاد عابديها أقدم من ميلادها ، تنحني أمامها الجباه والعقول ، ويناديها الناس : لبيك .. لبيك .. !!

وصحيح أنه رأي الرسول صلي الله عليه وسلم يُؤْثِرُ الهمس في أيامه تلك .. ولكنْ لا بدَّ من صيحة يصيحها هذا الثائر الجليل قبل أن يرحل .

لقد توجه إلي الرسول صلي الله عليه وسلم فور إسلامه بهذا السؤال :

يا رسول الله ، بمَ تَأمرني .. ؟

فأجابه الرسول صلي الله عليه وسلم : ترجع إلي قومك حتى يبلغك أمري ..

فقال أبو ذر : والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالإسلام في المسجد ...!! ألم أقلْ لكم ...؟؟

تلك طبيعة متمردة جيَّاشة ، أفي اللحظة التي يكتشف فيها أبو ذر عالَمًا جديدًا بأسره ، يتمثل في الرسول الذي أمن به ، وفي الدعوة التي سمع تباشيرها علي لسانه .. أفي هذه اللحظة يراد له أن يرجع إلي أهله صامتًا ... ؟؟ هذا أمر فوق طاقته .

هنالك دخل المسجد الحرام ونادي بأعلى صوته :

( أشْهدُ أنْ لا إله إلا الله .. وأشْهدُ أنْ محمدًا رسولُ الله )

كانت هذه الصيحة . فيما نعلم . أول صيحة بالإسلام تحَّدث كبرياء قريش ، وقرعت أسماعها .. صاحها رجل غريب ليس له في مكة حسب ، ولا نسب ، ولا حِمًي ..

ولقد لَقِيَ ما لم يكن يغيب عن فطنته أنه مُلاقيه .. فقد أحاط به المشركون ، وضربوه ، حتى صرعوه

وترامي النبأ إلي العباس عم النبي ، فجاء يسعى ، وما استطاع أن ينقذه من بين أنيابهم إلا بالحيلة الذكية : فقد قال لهم :

" يا معشر قريش ، انتم تجار ، وطريقكم علي غِفَار ، وهذا رجل من رجالها ، إن يحرض قومه عليكم ، يقطعوا علي قوافلكم الطريق " فثابو إلي رشدهم وتركوه .

لكن أبا ذر ، وقد ذاق حلاوة الاذي في سبيل الله ، لا يريد أن يغادر مكة حتى يظفر من طيباته بمزيد ....!!

وهكذا ، لا يكاد في اليوم الثاني وربما في نفس اليوم ، يلقي امرأتان تطوفان بالصنمين ( أُساف ، ونائلة ) وتدعونهما ، حتى يقف عليهما ويسفه الصنمين تسفيها مهينًا .. فتصرخ المرآتان ، ويهرول الرجال ؛ كالجراد ، ثم لا يفتئون يضربونه ، حتى يفقد وعيه ..

وحين يفيق يصرخ مرة أخري بأنه ( يشهد أنْ لا إله إلا الله .. وأن محمدًا رسول الله ) .

ويدرك الرسول صلي الله عليه وسلم طبيعة تلميذه الجديد الوافد ، وقدرته الباهرة علي مواجهة الباطل .. بيد أن وقته لم يأتِ بعد ، فيعيد عليه أمره بالعودة إلي قومه ، حتى إذا سمع بظهور الدين عاد وأدلي في مجري الأحداث دَلْوَه ..

ويعود ( أبو ذر ) إلي عشيرته وقومه ، فيحدثهم عن النبي الذي ظهر يدعو إلي عبادة الله وحده ، ويهدي لمكارم الأخلاق ، ويدخل قومه في الإسلام ، واحدًا ، اثر واحد .. ولا يكتفي بقبيلته ( غِفَار ) بل ينتقل إلي قبيلة ( أسلم ) فيوقد فيها مصابيحه ...!!

وتُتَابعُ الأيام رحلتها في موكب الزمن ، ويهاجر الرسول صلي الله عليه وسلم إلي المدينة ، ويستقر بها والمسلمون معه .

وذات يوم تستقبل مشارفها صفوفًا طويلة من المشاة والركبان ، أثارت أقدامهم النَّقـْـع ... ولولا تكبيراتهم الصادعة ، لحسبهم الرائي جيشـًا من جيوش الشرك ..

اقترب الموكب اللجب .. ودخل المدينة .. ويَّمم وجهه شطر مسجد الرسول صلي الله عليه وسلم لقد كان الموكب قبيلتَيْ ( غِفَار وأسلم ) جاء يهما ( أبو ذر ) مسلمين جميعًا . رجالا ونساءً ، وشبابًا ، وأطفالا ...!!

وكان من حقِّ الرسول صلي الله عليه وسلم أن يزداد عجبًا ودهشة .. فبالأمس البعيد عجب كثيرًا حين رأي أمامه رجـًلا واحدًا من غفار يعلن إيمانه وإسلامه وقال معبِّرًا عن دَهَشته ( إن الله يهدي من يشاء )

أما اليوم ، فإن قبيلة ( غِفَار ) بأجمعها تجيئه مسلمة .. قد قطعت في الإسلام بضع سنين منذ هداها الله علي يد ( أبي ذر ) وتجئ معها قبيلة ( أسلم )

إن عمالقة السطو وحلفاء الشيطان ، قد أصبحوا عمالقة في الخير ، وحلفاء للحق . أليس الله يهدي من يشاء حقًّـا ...؟؟

لقد ألقي الرسول صلي الله عليه وسلم علي وجوههم الطيبة نظرات تفيض غبطة وحنانًـا وودًّا ...

ونظر إلي قبيلة ( غِفَار ) وقال : ( غِفَارٌ غَفَرَ الله لها ) ثم إلي قبيلة أسلم وقال ( وَأَسْلَمُ سَالمها الله )

وأبو ذر .. هذا الداعية الرائع.. القوي الشكيمة ، العزيز المنال .. ألا اختصه الرسول صلي الله عليه وسلم بتحية ...؟؟

أجل .. ولسوف يكون جزاؤه موفورًا ، وتحيته مباركة .. ولسوف يحمل صدره ، ويحمل تاريخه ، أرفع الأوسمة وأكثرها إجلالا وعزة .. ولسوف تفني القرون والأجيال ، والناس يرددون رأي الرسول في أبي ذر ( ما أقَلَّتِ الغَبْرَاء ، وأَظَلَّتِ الخضراء أصدقَ من أبي ذرٍّ ) ..!!

أصدقُ لهجة من أبي ذر ... ؟؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الإثنين مارس 31, 2008 7:01 pm

لقد قرأ الرسول صلي الله عليه وسلم مستقبل صاحبه ، ولخص حياته كلها في هذه الكلمات .. فالصدق الجَسُور ، هو جوهر حياة أبي ذر كلها ..

صدق باطنه ، وصدق ظاهره .. صدق عقيدته ، وصدق لهجته ..

ولسوف يحيا حياته صادقـًا .. لا يغالط نفسه ، ولا يغالط غيره ، ولا يسمح لأحد أن يغالطه .. ولن يكون صدقه فضيلة خرساء .. فالصدق الصامت ليس صدقــًا عند أبي ذر .. أنما الصدق جهر وعَلَن .. جهر بالحقَّ ، وتحد للباطل .. تأييد للصواب ودحض للخطأ .. الصدق ولاء رشيد للحق ، وتعبير جرئ عنه ، وسير حَثِيثٌ معه..

ولقد كان الرسول صلي الله عليه وسلم يري ببصيرته الثاقبة عبر الغيب القَصِي ، والمجهول البعيد كل المتاعب ، التي سَيُفيئها علي أبي ذر صدقه وصلابته ، فكان يأمره دائمًا أن يجعل الأناة والصبر نهجه وسبيله .

وألقي الرسول عليه يومًا هذا السؤال : ( يا أبا ذر ، كيف أنتَ إذا أدركك أمَرَاءُ يَسْتَأثِرون بالفَيء ) ..؟؟ فأجاب قائلا : إذا والذي بَعَثَكَ بالحقَّ ، لأضْرِبَنَّ بسيفي ...!!

فقال له الرسول صلي الله عليه وسلم : أفلا أدُلُّك عَلَي خَيْرٍ من ذلك اصْبِرْ حتى تَلْقَاني ..

تُوري لماذا سأله الرسول هذا السؤال بالذات ...؟؟

الأمراء .... والمال ...؟؟

تلك قضية ( أبي ذر ) التي سيهبها حياته ، وتلك مشكلته مع المجتمع ومع المستقبل .. ولقد عرفها الرسول عليه السلام فألقي عليه هذا السؤال ؛ ليزوده بهذه النصيحة الثمينة : اصبر حتى تلقاني .

ولسوف يحفظ ( أبي ذر ) وصية معلمه ورسوله .. فلن يحمل السيف الذي توعَّد به الأمراء الذين يُثرون من مال الأمة .. ولكنه أيضا لن يسكت عنهم لحظة من نهار .. أجل .. إذا كان الرسول صلي الله عليه وسلم ينهاه عن حمل السيف في وجوههم فإنه لا ينهاه عن أن يحمل في الحق لسانه البتار .. ولسوف يفعل ..

ومضي عهد الرسول صلي الله عليه وسلم ومن بعده عصر ( أبي بكر ) وعصر ( عمر ) في تفوُّق كامل علي مغريات الحياة ودواعي الفتنة فيها..

حتى تلك النفوس المشتهية الراغبة ، لم تكن تجد لرغباتها سبيلا ولا منفذًا .. وأيامئذ ، لم تكن انحرافات يرفع ضدها صوته ، ويلفحها بكلماته اللاهبة

ولقد طال عهد أمير المؤمنين ( عمر ) فارضـًا علي ولاة المسلمين ، وأمرائهم ، وأغنيائهم في كل مكان من الأرض ، زهدا ، وتقشفا ، وعدلا يكاد يكون فوق طاقة البشر..

إن واليا من ولاته في العراق ، أو في الشام ، أو في صنعاء .. أو في أيٍّ من البلاد النائية البعيدة ، لا يكاد يأكل نوعا من الحلوى ، لا يجد عامة الناس قدرة علي شرائه ، حتى يكون الخبر قد وصل إلي ( عمر ) بعد أيام .. وحتى تكون أوامره الصارمة قد ذهبت تستدعي ذلك الوالي إلي المدينة ليلقي حسابه العسير ...!!

ليَهْنَأ ( أبو ذر ) إذن .. وليهنأ كثيرًا ، ما دام الفاروق العظيم أميرًا للمؤمنين .

وما دام لا يضايق أبا ذر في حياته شئ مثلما يضايقه استغلال السلطة ، واحتكار الثروة ، فإن ابن الخطاب بمراقبته الصارمة للسلطة ، وتوزيعه العادل للثروة سيتيح له الطمأنينة والرضا .. وهكذا تفرغ لعبادة ربه ، وللجهاد في سبيله .. غير لائذ بالصمت إذا رأي مخالفة هنا ، أو هناك .. وقـلما كان يري ..

بيد أن أعظم ، وأعدل ، وأروع حكام البشرية قاطبة يرحل عن الدنيا ذات يوم ، تاركًا ورائه فراغا هائلا ، ومُحدثا برحيله ردود الفعل مالا مفر منه ، ولا طاقة للناس به ، وتستمر الفتوح في مداها ، ويعلو معها مد الرغبات ، والتطلع إلي مناعم الحياة وترفها ..

ويري ( أبو ذر ) الخطر ..

إن ألوية المجد الشخصي توشك أن تفتن الذين كل دورهم في الحياة أن يرفعوا راية الله .. إن الدنيا بزخرفها الباطل وغرورها الضاري ، توشك أن تفتن الذين كل رسالتهم أن يجعلوا منها مزرعة للأعمال الصالحات ..

إن المال الذي جعله الله خادمًا مطيعًا للإنسان ، يوشك أن يتحول إلي سيد مستبد .. ومع من ....؟؟

مع أصحاب ( محمد ) صلي الله عليه وسلم الذي مات ودرعه مرهونة ، في حين كانت أكوام الفئ والغنائم عند قدميه ....!!

إن خيرات الأرض التي ذرأها الله للناس جميعًا .. وجعل حقَّهم فيها متكافئـًا توشك أن تصير حِكرًا ومزية ...

إن السلطة التي هي مسئولية ترتعد من هول حساب الله عليها أفئدة الأبرار ، تتحول إلي سبيل للسيطرة ، وللثراء وللترف المدمر الوبيل .

رأي ( أبو ذر ) كل هذا ، فلم يبحث عن واجبه ولا عن مسئوليته .. بل راح يمد يمينه إلي سيفه .. وهَزَّ به الهواء فمزقه ، ونهض قائما يواجه المجتمع بسيفه ، الذي لم تعرف له كَبْوَة .. ولكن سرعان ما رن في فؤاده صدي الوصية التي أوصاه بها الرسول صلي الله عليه وسلم ، فأعاد السيف إلي غمده ، فما ينبغي أن يرفعه في وجه مسلم ...

" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا "

ليس دوره اليوم أن يقتل .. بل أن يعترض ..

وليس السيف أداة التغيير والتقويم ، بل الكلمة الصادقة ، الأمينة ، المستبسلة .. الكلمة العادلة التي لا تضل طريقها ، ولا ترهب عواقبها .

لقد أخبر الرسول صلي الله عليه وسلم يومًا وعلي ملإ ٍ من أصحابة ، أن الأرض لم تُقِلَّ ، وأن السماء لم تُظَلَّ أصدق لهجة من أبي ذر ..

ومن كان يملك هذا القدر من صدق اللهجة ،وصدق الاقتناع ، فما حاجته إلي السيف ..؟

إن كلمة واحدة يقولها ، لأمْضَى من ملء الأرض سيوفا .فليخرج بصدقه هذا ، إلي الأمراء .. إلي الأغنياء .. إلي الذين أصبحوا يشكلون بركونهم إلي الدنيا خطرًا علي الدين الذي جاء هاديًا ، لا جابيًــا .. وَنُبـُــوَّة ً ، لا مُلكًـا .. ورحمة ، لا عذابًا .. وتواضعًــا لا استعلاءً .. وتكافوًا لا تميزًا .. وقناعة ً ، لا جشعًــا .. وكفاية ً ، لا ترفـًا .. واتَّئادًا في أخذ الحياة .. لا فتونـًا بها ولا تهالكا عليها ..

فليخرج إلي هؤلاء جميعًا ، حتى يحكم الله بينه وبينهم بالحقِّ ، وهو خير الحاكمين .

وخرج أبو ذر إلي معاقل السلطة والثروة ، يغزوها بمعارضته معقلا معقلا .. وأصبح في أيام معدودات الراية التي التفت حولها الجماهير ، والكادحون .. حتى في الأقطار النائية التي لم يره أهلها بعد .. طار إليها ذكره .. وأصبح لا يمرُّ بأرض ، بل لا يبلغ أسمه قومًا إلا أثار تساؤلات هامة تهدد مصالح ذوي السلطة والثراء .

ولو أراد هذا الثائر الجليل أن يتخذ لنفسه ولحركته علَمًا خاصًّـا لَما كان الشعار المنقوش علي هذا العَلم سوي مِكْواة تتوهج حمرة ولهبًا ، فقد جعل نشيده وهتافه الذي يردده في كل زمان ومكان .. ويردده الناس عنه كأنه نشيد .. هذه الكلمات :

" بشر الكانِزِينَ الذينَ يكنزون الذهب والفضة بمكاوِ من نار تُكوَي بها جباهُهُم وجُنُوبهم يوم القيامة " ....!!

لا يصعد جبلا ، ولا ينزل سهلا ، ولا يدخل مدينة ، ولا يواجه أميرًا إلا وهذه الكلمات علي لسانه . ولم يعد الناس يبصرونه قادمًا عليهم إلا استقبلوه هذه الكلمات : بشر الكانزين بمكاوِ من نار .

لقد صارت هذه العبارة علمًا علي رسالته التي نذر لها حياته ، حين رأي الثروات تتركز وتُحْتكر ... وحين رأي السلطة استعلاءً واستغلالا .. وحين رأي حب الدنيا يطغي ويوشك أن يُطمر كل ما صنعته سنوات الرسالة العظمي من جمال وورع ، وتفانٍ وإخلاص .

ولقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورهبة .. هناك في الشام حيث ( معاوية بن أبي سفيان ) يحكم أرضًا من أكثر بلاد الإسلام خصوبة ، وخيرًا وفيئًا .. وانه ليعطي الأموال ويوزعها بغير حساب ، يتألف بها الناس الذين لهم حظ ومكانه ، ويؤمِّنُ بها مستقبله الذي يرنو إليه طموحه البعيد .

هناك الضياع ، والقصور ، والثروات تفتن البقية الباقية من حملة الدعوة ، فليدرك ( أبو ذر ) الخطر قبل أن يحيق ويدمر ..

وحسر زعيم المعارضة رداءه المتواضع عن ساقيه ، وسابق الريح إلي الشام ..

ولم يكد الناس العاديون يسمعون بمقدِمِه حتى استقبلوه في حماسة وشوق ، والتفوا حوله أينما ذهب وسار .. حدثنا يا أبا ذر .

حدثنا يا صاحب رسول الله صلي الله عليه وسلم .

ويلقي أبو ذر علي الجموع حوله نظرات فاحصة ، فيري أكثرها ذوي خصاصة وفقر .. ثم يرنو ببصره نحو المشارف القريبة فيري القصور والضياع .. ثم يصرخ في الحِّافينَ حوله ، قائلا :

عَجِبتُ لمن لا يجد القوت في بيته ، كيف لا يخرج علي الناس شَاهِرًا سيفه .....؟!!ثم يذكر من فورة وصية رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يضع الاناه مكان الانقلاب ، والكلمة الشجاعة مكان السيف .. فيترك لغة الحرب هذه ويعود إلي لغة المنطق والإقناع ، فَيُعَلِّمُ الناس أنهم جميعًا سواسية ؛ كأسنان المشط .. وأنهم جميعًا شركاء في الرزق .. وأنه لا فضل لأحد علي أحد إلا بالتقوى .. وأن أمير القوم ووليهم ، هو أول من يجوع إذا جاعوا ، وأخر من يشبع إذا شبعوا .. لقد قرر أن يخلق بكلماته وشجاعته رأيًا عامًا في كل بلاد الإسلام ، يكون له من الفطنة والمناعة ، والقوة ما يجعله شكيمة لأمرائه وأغنيائه ، وما يحول دون ظهور طبقات مستغلة للحكم ، أو محتكرة للثروة ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الإثنين مارس 31, 2008 7:09 pm



وفي أيام قلائل ، كانت الشام كلها ؛ كخلايا نحل وجدت ملكتها المطاعة .. ولو أعطي أبو ذر إشارة عابرة بالثورة لاشتعلت نارًا .. ولكنه .. كما قلنا . حصر اهتمامه في خَلْقِ رأيٍ عامٍّ يفرض احترامه ، وصارت كلماته حديث المجالس ، والمساجد ، والطريق ..

ولقد بلغ خطره علي الامتيازات الناشئة مداه ، يوم ناظر ( معاوية ) علي ملإ ٍ من الناس ، ثم أبلغ الشاهدُ للمناظرة الغائب عنها ، وصارت الرياح بأخبارها ..

لقد وقف أبو ذر أصدق العالمين لهجة ، كما وصفه نبيه وأستاذه صلي الله عليه وسلم .

وقف يسأل معاوية في غير خوف ولا مُداراه عن ثرواته قبل أن يصبح حاكمًا ، وعن ثروته اليوم ...!!

عن البيت الذي كان يسكنه بمكة ، وعن قصورة بالشام اليوم ....!!

ثم يوجه السؤال للجالسين حوله من الصحابة الذين صحبوا معاوية إلي الشام ، وصار لبعضهم ضياع وقصور . ثم يصيح فيهم جميعًا : أفأنتم الذين نزل القرآن علي الرسول صلي الله عليه وسلم وهو بين ظهرانيهم ...؟؟

ويتولى الإجابة عنهم : نعم أنتم الذين نزل فيكم القرآن ، وشهدتم مع الرسول المشاهد .. ثم يعود ويسأل : أوَ لا تجدون في كتاب الله هذه الآية :

"وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ "

ويخترم معاوية طريق الحديث قائلا : لقد أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب

ويصيح أبو ذر : لا .. بل أنزلت لنا ولهم ..

ويتابع أبو ذر القول ناصحًا معاوية ومن معه أن يخرجوا عن كل ما بأيديهم من ضِيَاع ٍ وقصور ، وأموال .. وألا يدخر أحدهم لنفسه أكثر من حاجات يومه.

وتتناقل المحافل والجموع نبأ هذه المناظرة وأنباء أبي ذر ..

ويتعالى نشيد أبي ذر في البيوت والطرقات : ( بشر الكانزين بمكاوٍ من نار يوم القيامة )

ويستشعر معاوية الخطر ، وتفزعه كلمات الثائر الجليل ، ولكنه يعرف له قدره ، فلا يقربه بسوء ، ويكتب من فورة للخليفة عثمان . رَضِيَ الله عَنْهُ يقول له : إن أبا ذر قد أفسد الناس بالشام .

ويكتب عثمان لأبي ذر يستدعيه إلي المدينة . ويحسر أبو ذر طرف ردائه عن ساقيه مرة أخري ، ويسافر إلي المدينة ، وجري بينهما حوار طويل

لقد خرج ( عثمان ) في حواره مع صاحبه ، ومن الأنباء التي توافدت عليه من كل الأقطار عن مشايعة الجماهير لأراء أبي ذر ، بإدراك صحيح لخطر دعوته وقوَّتها ؛ وقرَّر أن يحتفظ به إلي جواره في المدينة ، محددًا بها إقامته .

ولقد عرض ( عثمان ) قراره علي أبي ذر عرضًا رفيقًا رقيقًـا ، فقال له : ابقَ هنا بجانبي ، تغدو عليك اللَّقاح وتروح .

وأجابه أبو ذر : ( لا حاجة لي في دنياكم )

أجل ، لا حاجة له في دنيا الناس ... أنه من أولئك القديسين الذين يبحثون عن ثراء الروح ، ويحيون الحياة ؛ ليعطوا ، لا ليأخذوا ...!!

لقد طلب من الخليفة عثمان رَضِيَ الله عَنْهُ .. أن يأذن له بالخروج إلي ( الرَّبـَــذة ) فأذن له ..

ولقد ظل وهو في احتدام معارضته أمينـًا لله ورسوله ، حافظـًـا في أعماق روحه نصيحة النبي صلي الله عليه وسلم له ألا يحمل السيف...لكان الرسول صلى الله عليه وسلم رأى الغيب كله ... غيب ( أبى ذر) ومستقبله؛ فأهدى إليه هذه النصيحة الغالية

ومن ثَمَّ لم يكن (ابو ذر) ليخفى انزعاجه حين يرى بعض المولَعِــين بإيقاد الفتنة يتخذون من كلماته ودعوته سببًا لإشباع وَلَعِهم وكيدهم .

جاءه يومًا وهو في الربذة وفد من الكوفة يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد الخليفة؛ فزجرهم بكلمات حاسمة:

(والله لو أنَّ عثمان صَلَبني على أطول خشبة؛ أو جبل ؛ لسمعتُ ؛ وأطعتُ؛ وصبرتُ ؛ واحْتَسبتُ ؛ ورَأيتُ ذلك خيرًا لي...

ولو سَيَّرَني ما بين الأفـُــق؛ لسمعتُ؛ وأطعتُ؛ وصبرتُ ؛ واحتسبتُ؛ ورأيَتُ ذلك خيرًا لي...

ولو رَدَّني إلى منزلي ؛ لسمعتُ ؛ وأطعتُ ؛ وصبرتُ ؛ واحتسبتُ ؛ ورأيتُ ذلك خيرًا لي...

ذلك رجل لا يريد غرضًا من إغراض الدنيا ؛ ومن ثمَّ أفاء الله عليه نور البصيرة..ومن ثم مرة أخرى أدرك ما تنطوي عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر فتحاشاها .. كما أدرك ما ينطوي عليه الصمت من وبال وخطر ؛ فتحاشاه..أيضًا ؛ ورفع صوته.. لا سيفه.. بكلمة الحق ولهجة الصدق لا إطماع تُغـْريه .. ولا عواقب تثنيـــه..

لقد تفرغ ( أبو ذر ) للمعارضة الأمينة وتَبتْــل.

وسيقضى عمره كله يُحــدْق في أخطاء الحكم وأخطاء المال ؛ فالحكم والمال يملكان من الغراء والفتنة ما يخافه ( أبو ذر) على اخوانه الذين حملوا راية الإسلام مع رسولهم صلى الله عليه وسلم ؛ والذين يجب إن يظلوا لها حاملين.

والحكم والمال _ أيضًا ؛ هما عصب الحياة للأمم والجماعات ؛ فإذا اعتورهما الضلال ؛ تعرضت مصاير الناس للخطر الأكيد.

ولقد كان أبو ذر يتمنى لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلا يلي احد منهم إمارة أو يجمع ثروة ؛ وان يظلوا كما كانوا رُوّادا للهدى ؛ وعُبَّادا لله..

وقد كان يعرف ضراوة الدنيا وضراوة المال؛ وكان يدرك إن أبا بكر وعمر لن يتكرر..ولطالما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من إغراء الأمارة ؛ ويقول عنها:

(..إنها أمَانـَة؛ وانه يوم القيــَامَة خِــزْي وندامة..إلا من أخـَـذها بحقـَّـها ؛ وأدَّى الذي عليه فيها )...

ولقد بلغ الأمر بأبي ذر إلى تجنب اخوانه إن لم يكن مقاطعتهم ؛ لأنهم وَلـوُ الأمارات ؛ وصار لهم بطبيعة الحال ثراء ووفرة.

لَقـَِيَـه أبو موسى الاشعرى يومًا ؛ فلم يكد يراه حتى فتح له ذراعيه وهو يصيح من الفرح بلقائه:

(مَرحبا أبا ذر...مَرحبا بآخى).

لكن أبا ذر دفعه عنه وهو يقول :

( لست بأخيك ؛ إنما كنتُ أخاك قبل إن تكون واليا وأميرا)...

كذك لـَقِيَه أبو هريرة يومًا واحتضنه مُرحبا ؛ ولكنَّ أبا ذر نحَّاه عنه بيده ؛ وقال له : ( إليك عنى .. الست الذي وليت الأمارة؛ فتطاولت في البنيان ؛ واتخْــذتَ لك ماشية وزرعًـا ) ومضى أبو هريرة يدافع عن نفسه ويبرئها من تلك الشائعات..

وقد يبدو ( ابو ذر) مبالغـًا في موقفه من الحكم ومن الثروة..

ولكنْ لأبى ذر منطقه الذي يشكله صدقه مع نفسه؛ ومع إيمانه ؛ فأبو ذر يقف بأحلامه وأعماله.. بسلوكه ورؤاه؛ عند المستوى الذي خلفه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه.. ابو بكر؛ وعمر..

وإذا كان بعضهم يرى في ذلك المستوى مثالية لا يدرك شاوها فان أبا ذر يراها قدوة ترسم طريق الحياة والعمل ؛ ولا سيما لأولئك الرجال الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ وصَلـَّوا وراءه ؛ وجاهدوا معه ؛ وبايعوه على السمع والطاعة.

كما أنه كما ذكرنا من قبل . يدرك بوَعْيهِ المضئ ، ما للحكم وما للثروة من أثر حاسم في مصاير الناس ؛ ومِنْ ثَمَّ فإن أىَّ خلل يصيب أمانة الحكم ، أو عدالة الثروة ، يشكل خطرًا داهمًا يجب دحضه ومعارضته .

ولقد عاش أبو ذر ما استطاع حاملا لواء القدوة العظمي للرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، أمينـًا عليها ، حارسًا لها .. وكان أستاذاً في فن التفوق علي مغريات الإمارة ، والثروة . عُرضت عليه إمارة بالعراق فقال : ( لا ) ... لن تميلوا عليَّ بدنياكم أبدًا ..

ورآه صاحبه يومًا يلبس جلبابًا قديمًا فسأله :

n أليس لك ثوب غير هذا ...؟! لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين ... ؟

فأجابه أبو ذر :

( اللهم غَفْرًا ... إنكَ لمُعَظِمٌ للدنيا ، ألسْتَ تري عَلَيَّ هذه البُرْدَة ..؟؟ ولي أخري لصلاة الجمعة ، ولي عنزة أحْلُبهَا ، وَأَتَانٌ أركبها ، فأىُّ نعمة أفضل مما نحن فيه .....؟؟

وجلس يوما يتحدث ويقــــــــــــــــــــــــــول :

أوصاني خليلي بسبع ....

ü أمرني بحبِّ المساكين ، والدُّنـــــــوِّ منهم ...

ü وأمرني أن أنظر إلي مَنْ هُو دُوني ، ولا أنظر إلي مَنْ هُو فوقي ...

ü وأمرني ألا أسَأَلَ أحدًا شيئًا ....

ü وأمرني أن أصِلَ الرَّحِم ....

ü وأمرني أن أقولَ الحقَّ وإن كان مُرَّا ...

ü وأمرني ألا أخافَ في الله لوْمَة لائـــم ....

ü وأمرني أن أُكْثِرَ من : لا حوْلَ ولا قوَّة إلا بالله ...

ولقد عاش هذه الوصية ، وصاغ حياته وَفْقَهَــا ، حتى صار ضميرًا بين قومه وأمَّته..

ويقول الإمام ( عليِّ ) لم يبْقَ اليومَ أحدٌ لا يُبَالي في الله لوْمَة لائم غير أبي ذر ... عاش يناهض استغلال الحكم ، واحتكار الثروة .. عاش يَدْحَض الخطأ ، ويبني الصواب .. عاش متبتلا لمسئولية النصح والتحذير ..

يمنعونه من الفتوى ، فيزداد صوته بها ارتفاعًا ، ويقول لِمانِعيه :

والذي نفسي بيده ، لو وَضَعْتُمُ السيفَ فوق عُنُقي ، ثم ظننتُ أني مُنْفِذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تحتَزُّوا لآنْفَذْتُها ...!!

وياليت المسلمين استمعوا يومئذٍ لقوله ونصحه ..
إذًا لماتت في مهدها تلك الفتن التي تَفَاقَم فيما بعدُ أمرها ، واستفحل خطرها ،وعَرَّضت الدولة، والمجتمع ، والإسلام لأخطار ، ما كان أقساها من أخطار
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الإثنين مارس 31, 2008 7:10 pm

والآن يعالج ( أبو ذر ) سكرات الموت في الربذة ... المكان الذي اختار الإقامة فيه إثر خلافه مع ( عثمان ) رضي الله عنه .. فتعالوْا بنا إليه نؤدِّ للراحل العظيم تحية الوداع ، ونبصر في حياته الباهرة مشهد الختام .

إن هذه السيدة السمراء الضامرة الجالسة إلي جواره تبكي ، هي زوجته ...

وإنه ليسألها : فيما البكاء والموت حقِّ ...؟

فتجيبه بأنها تبكي : لأنك تموت ، وليس عندي ثوب يسعك كفنــًا ...!!

فيبتسم ابتسامة الشفَق الغارب ، ويقول لها : اطمئني ...

"... لا تبكي ؛ فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلمذاتَ يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول : ليَمُوتَنَّ رجل منكم بفلاة من الأرض ، تشهده عصابة من المؤمنين... "

وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية ، ولم يبقي منهم غيري... وهأنذا بالفَلاة أموت ، فراقبي الطريق ... فستطلع علينا عِصَابة مِنَ المؤمنين فإني والله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبت .. وفاضت روحه إلي الله ... ولقد صدق

فهذه القافلة التي تغذُّ السير في الصحراء ، تؤلف جماعة من المؤمنين ، وعلي رأسهم ( عبد الله بن سعود ) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإن ( ابن مسعود ) ليبصر المشهد قبل أن يبلغه ... مشهد جَسَدٍ ممتد يبدو ؛ كأنه جثمان ميت .. وإلي جواره سيدة وغلام يبكيان ..

ويلوي زمام دابته والركب معه صوب المشهد، ولا يكاد يُلقي نظرة علي الجثمان حتى تقع عينه علي وجه صاحبه وأخيه في الله والإسلام أبي ذر ..

وتفيض عيناه بالدمع ، ويقف علي جثمانه الطاهر .. يقول :

صدق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم... تمشي وحدك ، وتموت وحدك ، وتُبْعَث وحدك ....!!

ويجلس ( ابن مسعود ) رضي الله عنه . يروي لصحبه تفسير تلك العبارة التي نعاه بها ـ تمشي وحدك ، وتموت وحدك ، وتُبْعَث وحدك 000

كان ذلك في غزوة ( تـَبـُــوك ) .. سنة تسع من الهجرة ، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلمبالتهيؤ لملاقاة الروم ، الذين شرعوا يكيدون للإسلام ويتآمرون به

وكانت الأيام التي دعي الناس فيها للجهاد أيام عُسْرَة وقَيْظ ... وكانت الشُقَّة بعيدة ... والعدو مخيفـًا...

ولقد تقاعس عن الخروج نفر من المسلمين ؛ تعلَّلوا بمختلف المعاذير.

وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه.. وكلما امعنوا في السير ازدادوا جهدًا ومشقة ؛ فجعل الرجل يتخلف ؛ ويقول : يا رسول الله ؛ تخلف فلان ؛ فيقول:

دَعـوهُ..

فان يَكُ فيه خيرٌ فَسَيُلْحِقه الله بكم..

وان يَكُ غير ذلكَ فقد أراحكم الله منه...!!

وتلفـَّت القوم ذات مرة ؛ فلم يجدوا أبا ذر .. وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: لقد تخلـَّـف أبو ذر ؛ وأبطأ به بعيره...

وأعاد الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم مقالته الأولى ...

كان بعير أبى ذر قد ضَعُـفَ تحت وطأة الجوع ؛والظمأ ، والحر وتعثرت من الإعياء خُطاه...

وحاول أبو ذر أن يدفعه للسير الحثيث بكل حيله وجهد ؛ لكنَّ الإعياء كان يلقى ثقله على البعير ...

ورأى أبو ذر انه بهذا سيتخلف عن المسلمين وينقطع دونهم الأثــــر ؛ فنزل من فوق ظهر البعير ؛ واخذ متاعه وحمله على ظهره ومضى ماشيًا على قدميه ؛ مهرولا ؛ وسط صحراء ملتهبة ؛ كيما يدرك الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه..

وفى الغـَــداة ؛ وضع المسلمون رحالهم ؛ ليستريحوا ؛ بَصُــرَ احدهم فرأى سحابة من النقع والغبار تخفى وراءها شبح رجل يغــــذ َّالسير...

وقال الذي رأى : يا رسول الله ؛ هذا رجل يمشى على الطريق وحده ... وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( كُنْ أَبَا ذَرٍّ) ...

وعادوا لِما كانوا فيه من حديث ؛ ريثما يقطع القادم المسافة التي تفصله عنهم ؛ وعندها يعرفون من هو ...

واخذ المسافر الجليل يقترب منهم رويدًا ... يقتلع خطاه من الرمل المتلظي اقتلاعًا ؛ وحِمْله فوق ظهره يَئوده ... ولكنه مغتبط فرحان ؛ لأنه أدرك القافلة المباركة ؛ ولم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخوانه المجاهدين...

وحين بلغ أول القافلة ؛ صاح صائحهم : يا رسول الله ؛ انه والله ؛ أبو ذر..

وسار أبو ذر صوب الرسول صلى الله عليه وسلم

ولم يكد صلى الله عليه وسلم يراه حتى تألقت على وجهه ابتسامة حانية وآسِيَة ؛ وقال : يرحَمُ الله أبا ذَرٍّ...

يمشى وحـــــــــــده..

ويموت وحـــــــــده..

ويُبْعَث وحــــــــــده...

وبعد مضى ِّعشرين عامًا على هذا اليوم ؛ أو تزيد ؛ مات أبو ذر وحيدًا ؛ في فلاة الربذة.. بعد إن سار حياته كلها وحيدًا على طريق لم يتألق فوقه سواه... ولقد بُعث في التاريخ وحيدًا في عظمة زهده ؛ وبطولة صموده ...

ولسوف يبعث عند الله وحيدًا كذلك ؛ لأن زحام فضائله المتعددة ؛ لن يترك بجانبه مكانـًا لأحــد ســــواه ...!!!!!

===================================================================

انتظـــــــــرونا :

وســــــــــــــــــيدنا :؟؟ رضي الله عنه السَّـــــــــاخِــــرُ مـِـــنَ الأهْــــــــــــوَال ِ !!!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
على الباز على
عضو مميز جداً
عضو مميز جداً
avatar

عدد الرسائل : 88
العمر : 50
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الإثنين مارس 31, 2008 10:48 pm

والله مش عارف اقولك ايه يااستاذ ياسر على اثراء المنتدى بهذه الكوكبة الجميلة من اصدقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بارك الله فيك
اخيك
على الباز
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رانيا شعبان سعيد



عدد الرسائل : 8
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 24/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الأربعاء مايو 21, 2008 11:11 pm

السلام عليكم
قال رسوال الله صلى الله علية وسلم
إذا سمع احدكم كلمة فأعجبتة فايقول لقائلها
)أخذنا فاللك من فيك(
وقال صلوت الله وسلم أذا أسد شخص إلية معروفا
قال له جزاك الله خير ويدعو له
(يارب يامقلب القلوب سبت قلبة على الايمان(
بجد قصص جميل واتمناء ان يكون فى هذا الوقت من الزمان اشخاص مثل
سليمان الفرسى الباحث عن الحقيقة شكران اخ ياسر بارك الله فيك وكتر من امثالك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الأربعاء يونيو 11, 2008 5:19 pm

بِـِــــلالُ بنُ رَبـَـــــاح ٍ
السَّاخِـــرُ مِـــنَ الأهْـــــوَالِ !!
كان ( عمر بن الخطاب ) إذا ذكر ( أبو بكر ) قال : أبو بكر سيِّدُنـَا ، وأعتق سَيدَنـَا ...
يعني ( بلالا )
وان رجلا يلقيه عمر بـ ( سيدنا ) لهو رجل عظيم ومحظوظ ...
لكن هذا الرجل الشديد السمرة ، النحيف الناحل ، المفرط الطول ، الكث الشعر ، الخفيف العارضين . كما وصفه الرواة . لم يكن يسمع كلمات المديح والثناء توجه إليه ، وتغدق عليه ، إلا ويحني رأسه ويغض طرفه ، ويقول وعبراته علي وجنتيه تسيل :
( أنما أنا حبشي .. كنت بالأمس عبدا )...!!
فمن هذا الحبشي الذي كان بالأمس عبدا ...؟؟
إنه ( بلال بن رباح ) مؤذن الإسلام ، ومزعج الأصنام ...
إنه إحدى معجزات الإيمان والصدق.
إحدى معجزات الإسلام العظيم..
فمن كل عشرة مسلمين منذ بدأ الإسلام إلى اليوم وإلى مشاء الله ,سنلتقي بسبعة – على الأقل – يعرفون (( بلالا))…
أي إن هناك مئات الملايين من البشر عبر القرون والأجيال عرفوا بلالا , وحفظوا اسمه ,وعرفوا دوره , تماما كما عرفوا أعظم خليفتين في الإسلام:
أبى بكر , وعمر – رضي الله عنهما …!! وانك لتسأل الطفل الذي لايزال يحبو في سنوات دراسته الأولى – في مصر , أو باكستان , أو الملايو ,أو الصين …
وفى الأمريكيتين , وأوروبا , وروسيا…
وفى العراق , وسوريا , وتركيا , وإيران , والسودان..
وفى تونس , والجزائر , والمغرب ..
في أعماق إفريقيا , وفوق هضاب آسيا…
في كل بقعة من الأرض يقطنها مسلمون , تستطيع أن تسأل أي طفل مسلم :من بلال , ياغلام..؟
فيجيبك : إنه مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم .. وإنه العبد الذي كان سيده يعذبه بالحجارة المستعرة , ليرده عن دينه فيقول : ((أحد .. أحد )).
وحينما تبصر هذا الخلود الذي منحه الإسلام بلالا … فأعلم أن بلالا هذا , لم يكن قبل الإسلام أكثر من عبد رقيق , يرعى ابل سيده على حفنات من التمر , وكان من المحتوم عليه – لولا الإسلام – أن يظل عبدا تائها في الزحام , حتى يطويه الموت , ويطوح به إلى أعماق النسيان…
لكن صدق إيمانه , وعظمة , الدين الذي آمن به بوآه في حياته , وفى تاريخه مكانا عليا بين عظماء الإسلام وقديسيه …!!
إن كثيرين من علية البشر , وذوى الجاه , والنفوذ , والثروة فيهم , لم يظفروا بمعشار الخلود الذي ظفر به ((بلال)) العبد الحبشي…ّّ!!
بل إن كثيرين من أبطال التاريخ لم ينالوا من الشهرة التاريخية بعض الذي ناله بلال
إن سواد بشرته , وتواضع حسبه ونسبه , وهوانه على الناس كعبد رقيق , لم يحرمه حين آثر الإسلام دينا , من أن يتبوأ المكان الرفيع الذي يؤهله له صدقه , ويقينه , وطهره , وتفانيه ..
إن ذلك كله , لم يكن له في ميزان تقييمه وتكريمه أي حساب , إلا حساب الدهشة حين توجد العظمة في غير مظانها ..
فلقد كان الناس يظنون ,أن عبدا مثل بلال , ينتمي إلى أصول غريبة ..ليس له أهل , ولا حول .. ولا يملك من حياته شيئا , فهو ملك لسيده الذي اشتراه بماله..يروح ويغدو وسط شويهات سيده , وإبله وماشيته..
كانوا يظنون أن مثل هذا الكائن , لايمكن أن يقدر على شئ ولا أن يكون شيئا …
يكون أول مؤذن للرسول وللإسلام – العمل الذي كان يتمناه لنفسه كل سادة قريش وعظمائها من الذين أسلموا واتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم
أجل … ((بلال بن رباح))!
أية بطولة… وأية عظمة تعبر عنها هذه الكلمات الثلاث (( بلال بن رباح ))…؟!
****
إنه حبشي من أمة السود .. جعلته مقاديره عبدا لأناس من (( بني جمح )) بمكة , حيث , كانت أمة إحدى إمائهم وجواريهم..
كان يعيش عيشة الرقيق , تمضى أيامه متشابهة قاحلة ,لاحق له في يومه , ولا أمل له في غده ..!!
ولقد بدأت أنباء ((محمد )) صلى الله عليه وسلم تنادى سمعه , حين أخذ الناس في مكة يتناقلونها , وحين كان يصغى إلى أحاديث سادته وأضيافهم , ولاسيما ((أمية بن خلف )) أحد شيوخ (( بني جمح )) القبيلة التي كان (( بلال )) أحد عبيدها ..
لطالما سمع أمية وهو يتحدث مع أصدقائه حينا , وأفراد قبيلته أحيانا أخرى عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديثا يطفح غيظا , وغما , وشرا ..
وكانت أذن بلال تلتقط من بين كلمات الغيظ المجنون , الصفات التي تصور له هذه البيئة التي يعيش فيها… كما كانت أذنه تلتقط من خلال أحاديثهم الراعدة المتوعدة – اعترافهم بشرف محمد وصدقه , وأمانته …!!
أجل … إنه ليسمعهم يعجبون , ويحارون , في هذا الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم..!!
ويقول بعضهم لبعض : ما كان محمد يوما كاذبا .. ولا ساحرا .. ولا مجنونا .. وإن لم يكن لنا بد من وصمه اليوم بذلك كله, حتى نصد عنه الذين سيسارعون إلى دينه ..!!
سمعهم يتحدثون عن أمانته ..
عن وفائه ..
عن رجولته وخلقه ..
عن نزاهته ورجاحة عقله ..
وسمعهم يتهامسون بالأسباب التي تحملهم على تحديه وعداوته , تلك هي : ولاؤهم لدين آبائهم أولا … والخوف على مجد قريش ثانيا – ذلك المجد الذي يفيئه عليها مركزها الديني , كعاصمة للعبادة والنسك في جزيرة العرب كلها , ثم الحقد على بني هاشم , أن يخرج منهم دون غيرهم نبي ورسول ..!
****
وذات يوم , يبصر (( بلال بن رباح )) نور الله , ويسمع في أعماق روحه الخيرة رنينه , فيذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , ويسلم …
ولا يلبث خبر إسلامه أن يذيع .. وتدور الأرض برءوس أسياده من ((بني جُمح)) . تلك الرءوس التي نفخها الكبر وأثقلها الغرور …!! وتجثم شياطين الأرض فوق صدر ((أمية بن خلف ))الذي رأى في إسلام عبد من عبدانهم لطمة جللتهم جميعا بالخزي والعار ..
عبدهم الحبشي يسلم , ويتبع محمدا ..؟!!
ويقول (( أمية )) لنفسه : ومع هذا فلا باس .. إن شمس هذا اليوم لن تغرب إلا ويغرب معها إسلام هذا العبد الآبق ..!!
ولكن الشمس لم تغرب قط بإسلام بلال , بل غربت ذات يوم بأصنام قريش كلها , وحماة الوثنية فيها ..!!


****
أما بلال فقد كان له موقف ليس شرفا للإسلام وحده – وإن كان الإسلام أحق به – ولكنه شرف للإنسانية جميعا ..
لقد صمد لأقصى ألوان التعذيب صمود الأبرار العظام.
ولكأنما جعله الله للناس مثلا على أن سواد البشرة ,وعبودية الرقبة ,لا ينالان من عظمة الروح إذا وجدت إيمانها ,واعتصمت بباريها ,وتشبثت بحقها..
لقد أعطى ((بلال)) درسا للذين في زمانه ,وفى كل زمان للذين على دينه , وعلى كل دين ..
درسا فحواه أن حرية الضمير وسيادته لا يباعان بملء الأرض ذهبا ,ولا بملئها عذابا..
لقد وضع عريانا فوق الجمر ,على أن يزيغ عن دينه , أو يزيف اقتناعه فأبى …
لقد جعل الرسول عليه السلام , والإسلام , من هذا العبد الحبشي المستضعف أستاذا للبشرية كلها في فن احترام الضمير , والدفاع عن حريته وسيادته ..
[/b]
[/size][/b][/right]


عدل سابقا من قبل ياسر طلعت محمد في الخميس يونيو 12, 2008 8:22 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الأربعاء يونيو 11, 2008 5:24 pm

لقد كانوا يخرجون به في الظهيرة التي تتحول الصحراء فيها إلى جهنم قاتلة … فيطرحونه على حصاها الملتهب وهو عريان , ثم يأتون بحجر متسعر , كالحميم ينقله من مكانه بضعة رجال ,ويلقون به فوق جسده وصدره…
ويتكرر هذا العذاب الوحشي كل يوم , حتى رقت لبلال من هول عذابه بعض قلوب جلاديه , فرضوا آخر الأمر أن يخلوا سبيله , على أن يذكر آلهتهم بخير , ولو بكلمة واحدة – لاغير – تحفظ لهم كبرياءهم , ولا تتحدث قريش أنهم انهزموا صاغرين أمام صمود عبدهم وإصراره …
ولكن حتى هذه الكلمة الواحدة التي يستطيع أن يلقيها من وراء قلبه , ويشترى بها حياته ونفسه , دون أن يفقد إيمانه , ويتخلى عن اقتناعه .. حتى هذه الكلمة الواحدة العابرة رفض ((بلال)) أن يقولها ..!
نعم , لقد رفض أن يقولها , وصار يردد مكانها نشيده الخالد :
((أحدأحد …))
يصيح به جلادوه , بل يتوسلون إليه قائلين ( اذكر اللات والعزى ))... فيجيبهم :
((أحد ... أحد ...))
يقولون له : قل كما نقول ..
فيجيبهم في تهكم عجيب وسخرية كاوية:
((إن لساني لايحسنه ))..!!
ويظل ((بلال)) في ذوب الحميم وصخره , حتى إذا حان الأصيل أقاموا , وجعلوا في عنقه حبلا ثم أمروا صبيانهم أن يطوفوا به جبال مكة وشوارعها ..
وبلال لايلهج لسانه بغير نشيده المقدس (( أحد... أحد...)).
وكأني إذا جن عليهم الليل يساومونه :
غدا قل كلمات خير في آلهتنا , قل ربى اللات والعزى , لنذرك وشأنك . فقد تعبنا من تعذيبك , حتى لكأننا نحن المعذبون !
فيهز رأسه ويقول : (( أحد... أحد... )) .
ويلكزه أمية بن خلف وينفجر غما وغيظا ويصيح :
- أي شؤم رمانا بك يا عبد السوء ...؟ واللات والعزى لأجعلنك للعبيد والسادة مثلا.. ويجيب بلال في يقين المؤمن وعظمة القديس :
((أحد... أحد...))
ويعود للحديث والمساومة , من وكل إليه تمثيل دور المشفق عليه , فيقول :
- خل عنك يا أمية ... واللات لن يعذب بعد اليوم , إن بلالا منا ... أمه جاريتنا ,وإنه لن يرضى أن يجعلنا بإسلامه حديث قريش وسخريتها …
ويحدق بلال في الوجوه الكاذبة الماكرة , ويفتر ثغره عن ابتسامه كضوء الفجر ويقول في هدوء يزلزلهم زلزالا:
(( أحدأحد ))
وتجئ الغداة وتقترب الظهيرة , ويؤخذ بلال إلى الرمضاء , وهو صابر محتسب , صامد ثابت.
ويذهب إليهم (( أبو بكر الصديق )) وهم يعذبونه , ويصيح بهم :
( أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ) ؟؟
ثم يصيح في أمية بن خلف : خذ أكثر من ثمنه واتركه حرا…
وكأنما كان أمية يغرق وأدركه زورق النجاة ..
لقد طابت نفسه وسعدت حين سمع (( أبا بكر )) يعرض ثمن تحريره , إذ كان اليأس من تطويع بلال قد بلغ في نفوسهم أشده , ولأنهم كانوا من التجار, فقد أدركوا أن بيعه أربح لهم من موته..
باعوه لأبى بكر الذي حرره من فوره , وأخذ (( بلال )) مكانه بين الرجال الأحرار…
وحين كان الصديق يتأبط ذراع بلال منطلقا به إلى الحرية قال له أمية :
- خذه . فوا للات والعزى , لو أبيت إلا أن تشتريه بأوقية واحدة لبعتكه بها …
وفطن (( أبوبكر )) لما في هذه الكلمات من مرارة اليأس وخيبة الأمل , وكان حريا ألا يجيبه … ولكن لأن فيه مساسا بكرامة هذا الذي قد صار
أخا له , وندا , أجاب أمية قائلا :
والله لو أبيتم أنتم إلا مئة أوقية لدفعتها …!!
وانطلق بصاحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشره بتحريره ... وكان عيدا عظيما !
وبعد هجرة الرسول والمسلمين إلى المدينة واستقرارهم بها , يشرع الرسول للصلاة أذانها , فمن يكون المؤذن للصلاة خمس مرات كل يوم ... ؟ وتصدح عبر الأفق تكبيراته وتهليلاته ..؟
إنه بلال .. الذي صاح منذ ثلاث عشرة سنه والعذاب يهده ويشويه أن (( الله أحد ... أحد )).
لقد وقع اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم عليه اليوم , ليكون أول مؤذن للإسلام .
وبصوته الندى , الشجي مضى يملأ الأفئدة إيمانا , والأسماع روعة وهو ينادى :
الله .. أكبر
الله.. أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن محمدا رسول الله
أشهد أن محمدا رسول الله
حي على الصلاة
حي على الصلاة
حي على الفلاح
حي على الفلاح
الله أكبر ... الله أكبر
لا إله إلا الله...
وينشب القتال بين المسلمين وجيش قريش الذي قدم المدينة غازيا ...
وتدور الحرب عنيفة قاسية ضارية ... وبلال هناك يصول ويجول في أول غزوة يخوضها الإسلام , غزوة (( بدر ))... تلك الغزوة التي أمر الرسول
عليه الصلاة السلام أن يكون شعارها : ((أحد ... أحد)).
في هذه الغزوة ألقت قريش بأفلاذ كبدها ,وخرج أشرافها جميعا لمصارعهم ..!!
ولقد هم بالنكوص عن الخروج (( أمية بن خلف )) ..هذا الذي كان سيدا لبلال , والذي كان يعذبه في وحشية قاتلة...
هم بالنكوص لولا أن ذهب عليه صديقه (( عقبه بن أبى معيط )), حين علم نبأ تخاذله وتقاعده ,حاملا في يمينه (( مجمرة )), حتى إذا واجهه
وهو جالس وسط قومه , ألقى المجمرة بين يديه وقال له : يا أبا على , استجمر بهذه ,فإنما أنت من النساء ..!!!
وصاح به أمية قائلا : قبحك الله , وقبح ماجئت به ..
ثم لم يجد بدا من الخروج مع الغزاة فخرج ..
أية أسرار للقدر , يطويها وينشرها ..؟
لقد كان عقبة بن أبى معيط أكبر مشجع لأمية على تعذيب بلال , وغير بلال من المسلمين المستضعفين ...
واليوم , هو نفسه الذي يغريه بالخروج إلى غزوة بدر التي سيكون فيها مصرعه ..!! كما سيكون فيها مصرع عقبة – أيضا !
لقد كان (( أمية )) من القاعدين عن الحرب ... ولولا تشهير عقبة به على النحو الذي رأينا لما خرج..!!
ولكن الله بالغ أمره فليخرج (( أمية )) ,فإن بينه وبين عبد من عباد الله حسابا قديما , جاء أوان تصفيته , فالديان لا يموت , وكما تدينون , تدانون ..!
وإن قدر الله ليحلو له أن يسخر بالجبارين ... فعقبة الذي كان أمية يصغى لتحريضه , ويسارع إلى هواه تعذيب المؤمنين الأبرياء هو نفسه الذي سيقود أمية إلى مصرعه ..
نفس اليد التي طوقها بالسلاسل أمية , وأوجع صاحبها ضربا, وعذابا .. هذه اليد ذاتها , هي اليوم وفى غزوة بدر , على موعد أجاد قدر الله توقيته , مع جلاد قريش الذي أذل المؤمنين بغيا وعدوا..
ولقد حدث هذا تماما...
وحين بدأ القتال بين الفريقين , وارتج جانب المعركة من قبل المسلمين بشعارهم: (( أحد ..أحد ..)) انخلع قلب أمية , وجاءه النذير ..
إن الكلمة التي كان يرددها بالأمس عبد تحت وقع العذاب والهول قد صارت اليوم شعار دين بأسره وشعار الأمة الجديدة كلها ...!!
(( أحد .. أحد ..))؟؟!!
أهكذا..؟ وبهذه السرعة .. وهذا النمو العظيم ..؟؟


عدل سابقا من قبل ياسر طلعت محمد في الخميس يونيو 12, 2008 8:25 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الأربعاء يونيو 11, 2008 5:29 pm

وتلاحمت السيوف , وحمى القتال...
وبينما المعركة تقترب من نهايتها , لمح أمية بن خلف (( عبد الرحمن بن عوف )) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتمى وطلب إليه
أن يكون أسيره, رجاء أن يخلص بحياته ...
وقبل عبد الرحمن عرضه وأجاره ، ثم سار به وسط المعمعة إلي مكان الأسري .
وفي الطريق لمحه ( بلال ) فصاح قائلا :
(( رأس الكفر , أمية بن خلف .. لا نجوت إن نجا )).
ورفع سيفه ليقطف الرأس الذي طالما أثقله الغرور والكبر , فصاح به عبد الرحمن بن عوف :
(( أي بلال .. إنه أسيري )).
أسير, والحرب مشبوبة ودائرة ..؟؟
أسير , وسيفه يقطر دما مما كان يصنع قبل لحظه في أجساد المسلمين ...؟
لا... ذلك في رأى بلال ضحك بالعقول وسخرية ... ولقد ضحك أمية وسخر بما فيه الكفاية..
سخر حتى لم يترك من السخرية بقية يدخرها لمثل هذا اليوم , وهذا المأزق , وهذا المصير ..!!
ورأى (( بلال )) أنه لن يقدر وحده على اقتحام حمى أخيه في الدين (( عبد الرحمن بن عوف )),
فصاح بأعلى صوته في المسلمين:
(( يا أنصار الله ... رأس الكفر أمية بن خلف ,لانجوت إن نجا ))..!
وأقبلت كوكبة من المسلمين تقطر من سيوفهم المنايا , وأحاطت بأمية وابنه – وكان يحارب مع قريش – ولم يستطع عبد الرحمن بن عوف
أن يصنع شيئا ... بل لم يستطع أن يحمى أدراعه التي بددها الزحام.
و ألقى بلال على جثمان أمية الذي هوى تحت السيوف القاصفة نظرة طويلة , ثم هرول عنه مسرعا وصوته الندى يصيح:
(( أحد.. أحد.. )).
لا أظن أن من حقنا أن نبحث عن فضيلة التسامح لدى بلال في مثل هذا المقام...
فلو أن اللقاء بين بلال وأمية تم في ظروف أخرى , لجاز لنا أن نسأل بلالا حق التسامح ,وما كان لرجل في مثل إيمانه وتقاه أن يبخل به.
لكن اللقاء الذي تم بينهما, كان في حرب , جاءها كل فريق ليفنى غريمه ..
السيوف تتوهج .. والقتلى يسقطون .. والمنايا تتواثب , ثم يبصر بلال أمية الذي لم يترك في جسده موضع أنملة إلا ويحمل آثار تعذيبه.
وأين يبصره وكيف ..؟
يبصره في ساحة الحرب والقتال يحصد بسيفه كل مايناله من رءوس المسلمين , ولو أدرك رأس بلال ساعتئذ لطوح به..
في ظروف كهذه يلتقي الرجلان فيها , لايكون من المنطق العادل في شئ أن نسأل بلالا :
لماذا لم يصفح الصفح الجميل ..؟؟
وتمضى الأيام .. وتفتح مكة ..
ويدخلها الرسول صلى الله عليه وسلم شاكرا مكبرا على رأس عشرة آلاف من المسلمين ..
ويتوجه إلى الكعبة رأسا .. هذا المكان المقدس الذي زحمته قريش بعدد أيام السنة من الأصنام ..!!
لقد جاء الحق , وزهق الباطل ..
ومن اليوم لاعزى .. ولا لات .. ولا هبل .. لن يحنى الإنسان بعد اليوم هامته لحجر ,ولا وثن ... ولن يعبد الناس ملء ضمائرهم إلا الله
الذي ليس كمثله شئ الواحد الأحد الكبير المتعال ..
ويدخل الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة مصطحبا معه بلالا ...!
ولا يكاد يدخلها حتى يواجه تمثالا منحوتا , يمثل إبراهيم عليه السلام وهو يستقسم بالأزلام , فغضب الرسول
صلى الله عليه وسلم ويقول :
(( قاتلهم الله .. ما كان شيخنا يستقسم بالأزلام ... ما كان إبراهيم يهوديا , ولا نصرانيا , ولكن كان حنيفا مسلما , وما كان من المشركين )).
ويأمر بلالا أن يعلو ظهر المسجد ويؤذن .
ويؤذن بلال .. فيا لروعة الزمان, و المكان ,و المناسبة ..!!
كفت الحياة في مكة عن الحركة , ووقفت ((الألوف المسلمة)) , كالنسمة الساكنة , تردد في خشوع وهمس كلمات الأذان وراء بلال .
والمشركون في بيوتهم لايكادون يصدقون :
أهذا محمد وفقراؤه الذين أخرجوا بالأمس من هذه الديار ..؟؟

أهذا هو حقا الذي طاردناه , وقاتلناه , وقتلنا أحب أهله وقرباه إليه …؟

أهذا هو حقا , الذي كان يخاطبنا من لحظات ورقابنا بين يديه , ويقول لنا :

(( اذهبوا .. فأنتم الطلقاء ))..!!

ولكن ثلاثة من أشراف قريش , كانوا جلوسا بفناء الكعبة , وكأنما يلفحهم مشهد بلال وهو يدوس أصنامهم بقدميه , ويرسل من فوق ركامها

المهيل صوته بالأذان المنتشر في آفاق (( مكة )) كلها ؛ كعبير الربيع…

أما هؤلاء الثلاثة فهم : أبو سفيان بن حرب – وكان قد أسلم منذ ساعات – وعتاب بن أسيد , والحارث بن هشام – وكانا لم يسلما بعد .

قال عتاب وعينه على بلال وهو يصدح بأذانه :

لقد أكرم الله أسيدا , ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه , وقال الحارث :

أما والله , لو أعلم أن محمد محق لاتبعته ..!!

وعقب أبو سفيان الداهية على حديثهما قائلا :

إني لا أقول شيئا , فلو تكلمت لأخبرت عنى هذه الحصى !! وحين غادر النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة رآهم , وقرأ وجوههم في لحظة , وقال

وعيناه تتألقان بنور الله ,وفرحة النصر :
قد علمت الذي قلتم ...!!!
ومضى يحدثهم بما قالوا ..
فصاح الحارث وعتاب :
نشهد أنك رسول الله , والله ماسمعنا أحد فنقول أخبرك..!!
واستقبلا بلالا بقلوب جديدة ... في أفئدتهم صدى الكلمات التي سمعوها في خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم أول دخوله مكة :
(( يامعشر قريش ..
إن الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء..
الناس من ادم ... وادم من تراب ))..


عدل سابقا من قبل ياسر طلعت محمد في الخميس يونيو 12, 2008 8:26 am عدل 4 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الأربعاء يونيو 11, 2008 5:30 pm

وعاش بلال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , يشهد المشاهد كلها , ويؤذن للصلاة , ويحيى ويحمى شعائر هذا الدين العظيم الذي أخرجه من الظلمات إلى النور , ومن الرق إلى الحرية ...
وعلا شان الإسلام , وعلا معه شأن المسلمين , وكان بلال يزداد كل يوم قربا من قلب رسول الله صلىاللهعليهوسلم الذي كان يصفه بأنه (( رجل من أهل الجنة ))...
لكن بلالا بقى كما هو كريما متواضعا , لايرى نفسه إلا أنه : (( الحبشي الذي كان بالأمس عبدا)) ..!!
ذهب يوما يخطب لنفسه ولأخيه زوجتين ,فقال لأبيهما :
(( أنا بلال , وهذا أخي , عبدان من الحبشة ... كنا ضالين فهدانا الله ... وكنا عبدين فأعتقنا الله ... إن تزوجونا , فالحمد لله ... وإن تمنعونا , فالله أكبر ))..!!
وذهب الرسول صلى لله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى راضيا مرضيا , ونهض بأمر المسلمين من بعده خليفته (( أبوبكر الصديق ))..
وذهب بلال إلي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له :
((ياخليفة رسول الله ...
إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله ))..
قال له أبوبكر : فما تشاء يا بلال ..؟
قال: أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت ..
قال أبوبكر : ومن يؤذن لنا ..؟؟
قال بلال وعيناه تفيضان من الدمع : إني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبوبكر : بل ابق و أذن لنا يا بلال..
قال بلال إن كنت أعتقتني لأكون لك فليكن ماتريد , وإن كنت أعتقتني لله فدعني وما اعتقتنى له...
قال أبوبكر : بل أعتقتك لله يا بلال ..
ويختلف الرواة , فيروى بعضهم أنه سافر إلى الشام حيث بقى بها مجاهدا ومرابطا . ويروى بعضهم الأخر , انه قـَبـِـلَ رجاء أبىبكر في أن يبقي معه بالمدينة ، فلما قُـبضَ وَوَليَ الخلافة عمر ،استأذنه وخرج إلي الشام.
علي أية حال ، فقد نذر بلال بقية حياته وعمره للمرابطة في ثغور الإسلام ، مصممًا علي أن يلقي الله ورسوله وهو علي خير عمل يُحِبَّانه .
ولم يعد يصدح بالأذان صوته الشجيُّ الحفيُّ المهيب ، ذلك أنه لم يكن ينطق في أذانه ؛
( أشهد أن محمدًا رسول الله ) حتى تجيش به الذكريات فيختفي صوته تحت وقع أساه ، وتصيح بالكلمات دموعه وعبراته .
وكان أخر أذان له، أيام زار الشام أمير المؤمنين عمر ، وتوسل المسلمون إليه أن يحمل بلالا علي أن يؤذن لهم صلاة واحدة .
ودعا أمير المؤمنين بلالا ، وقد حان وقت الصلاة ، ورجاه أن يؤذن لها .
وصعد بلال وأذن ... فبكي الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله صلي الله عليه وسلم وبلال يؤذن له ... بكَوْا كما لم يبكوا من قبل أبدًا... وكان عمر أشدَّهم بكاء ... !!
ومات بلال في الشام مرابطـًا في سبيل الله كما أراد .
وتحت ثرَي دمشق يثوى اليوم رُفات رجل من أعظم رجال البشرية صلابة في الوقوف إلي جانب العقيدة والاقتناع ....
=========================================================
انتظرونيـ والمُثابـِــرُ الأوًّاب .... سيدنا : عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
غادة سعد العشرى
مشرف
مشرف


عدد الرسائل : 162
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 01/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الخميس يونيو 12, 2008 8:29 am

جزاك الله خير جزاء يا ياسر على هذا السرد الجميل لموضوع سيدنا بلال بن رباح وعلى هذا السرد لقصه صحابى جليل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
حفظك الله وحفظ فى صدرك هذا الايمان وزادك وزادنا من فضله العظيم يا رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ياسر طلعت محمد
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 101
العمر : 43
تاريخ التسجيل : 05/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )   الخميس يونيو 12, 2008 9:52 am

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عزيزتي : غادة
كم هو جميل مرورك الطيب وأشكرك علي ثنائك الاجمل وأسأل الله أن يجعل نقلي لسيرة صحبة أفضل الخلق
سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم خالصة لوجهه الكريم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رجال حول الرسول ( صلي الله عليه وسلم )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
رابطة الرواد :: القسم التعليمي :: المنتدي الثقافي :: المنتدى الدينى :: موضوعات مختلفة-
انتقل الى: